خارج السطر
جنة الصحافة وصحافة الجحيم
يسأل أستاذنا الجميل محمد العزبى سؤالًا صعبًا فى كتابه الأخير الصادر عن دار ريشة، «هل يدخل الصحفيون الجنة؟» يقول لنا أطال الله عمره بعد رحلة تسعين عامًا إنه حاول طوال حياته الانحياز للبسطاء، داعمًا ومبشرًا ومعينًا لعله يدخل الجنة الخالدة جزاء على ما نفع به الناس.
يكتب ثم يكتب ولا يمل أو يكل مقررًا أنه لن يعتزل أو يتوقف حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا. سيواصل حتى لو وهن العظم وضعف البصر، أو زال. يقول لنا « لم يخترع حكاية إحالة الصحفيين إلى المعاش إلا الرئيس السادات حتى يتخلص من أراذلهم وكان يقصد بذلك مصطفى أمين وجلال الدين الحمامصى فإذا بهما أكثر شبابًا وعتيًّا.»
يرى محمد العزبى أن الصحافة والسلطة إخوة أعداء يتربص كل منهما بالآخر. رصاص بالكلمات، يقابله بطش بالقانون وخارج القانون. صحيح هناك مصفقون، كذبة،أبواق لكل عهد، لكن هناك أيضاً جورنالجية أنقياء ينتصرون للحق والحقيقة ويحيون مستقلين عن كل لون، صامدين أمام كل تيار.
يقول الشاعر العراقى مظفر النواب فى إحدى قصائده «وكذبت كنشرة أخبار»، لكن مَن قال إن نشرات الأخبار وحدها الكاذبة؟!
لقد كانت السلطة فى كل العصور ترى الصحافة نافذة شر، ومنبع فتنة، وظل كل الحكام ينظرون إلى الصحفيين نظرة ازدراء وتربص. وعندما قرر جمال عبدالناصر تأميم الصحافة احتج بأن الكتاب والصحفيين غير مسئولين ويهددون النسيج الاجتماعى للمصريين، واعتبر نشر رسام الكاريكاتير حجازى لزوجة تُخبىء عشيقها تحت السرير قلة أدب وتفتيتًا للأخلاق. حاول إحسان عبدالقدوس وسيد أبو النجا مناقشة الرئيس فى قراراته، لكنه احتد غاضبًا وسأل إن كانت الصحافة تعنى الدعارة؟ وواصل الرجل حديثه محتدًا بلهجة لا تخلو من الوعيد قائلًا «إن مصر ليست النساء المطلقات فى نادى الجزيرة. إن مصر هى كفر البطيخ». وهرولت الصحف وقتها لزيارة القرية الصغيرة التى ذكرها الزعيم فى دمياط وأصبحت صورًا وتحقيقات ومقالات مقررة على كل القراء، وأسرع الكاتب المسرحى سعد الدين وهبة بتأليف «كفر البطيخ» والتى عرضت فورا على مسارح الدولة.
يحكى محمد العزبى فى كتابه كيف حبس عبدالناصر كاتبه المفضل إحسان عبدالقدوس، ثم أفرج عنه مع دعوة للإفطار معه ليقول له « اتربيت ولا لسة؟». ويستعيد المؤلف عبارة شهيرة لعبد الستار الطويلة يقول فيها «إن السلطة عندما تريدك تقلب عليك الدنيا حتى تجدك، وعندما لا تكون فى حاجة إليك لا تسأل عنك مهما أديت لها من خدمات، فلا عواطف لديها.»
وهناك أمور قد لا يلاحظها صحفيون كبار لكنها لا تمر من قنوات الكبار دون اختبارات ومراجعات، منها مثلًا ما يحكيه الكتاب بأن محمد على إبراهيم فوجئ يومًا وهو رئيس تحرير الجمهورية باتصال من حبيب العادلى وزير الداخلية، وسأله فى جدية إن كان قد قرأ الجريدة كاملة، فأجابه بالإيجاب. فقال له فى استنكار: هل قرأت باب حظك اليوم؟ ثم أخبره أن الحظ المكتوب لبرج الثور يقول إنه سيواجه أيامًا صعبة ومستقبلًا غامضًا. وذكره أن الرئيس مبارك ينتمى لهذا البرج!
هل الصحفيون يدخلون الجنة؟ يبقى السؤال مطروحًا، ليقيس كل مَن يعمل بمهنة المتاعب ما كان منه من مكر، خداع، كذب، صمت، تصفيق عن غير حق، أو ما قدم من خير ونفع ونصح للناس، ويُحاسب نفسه قبل الحساب.
والله أعلم.