بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المهرج الصغير

 

 

 

 

الصدفة كلمة ليس لها محل من الإعراب فى القاموس السياسى الغربى فدائمًا هناك استراتيجية واضحة تستند على خطط مرنة مبرمجة سلفًا تتماهى مع كافة التطورات الجيوسياسية فبعد حقبة سقوط الاتحاد السوفيتى وانهيار حائط برلين وتفكك حلف وارسو كان الهدف الأكبر هو وأد طموح الدب الروسى عبر تطويقه بفوضى الثورات الملونة التى غزت حدائقه الخلفية فى شرق أوروبا، والتى كان يسيل لعاب شعوبها للانضمام إلى جنة الاتحاد الأوروبى.

وسارت على نفس الدرب حكومة يانوكوفيتش بتفاوضها لإبرام اتفاق تجارى شامل مع الاتحاد الأوروبى والذى حتمًا سيؤثر على مصالح روسيا أكبر شريك تجارى لأوكرانيا وهنا أسقط فى يد يانوكوفيتش الذى ماطل بغباء سياسى مما أدى إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات العنيفة عرفت حينذاك بثورة «الميدان الأوروبى» أسفرت عن سقوط 130 قتيلاً، فكان من المتعذر الدفاع عن سلامته الشخصية فهرب فى جنح الليل إلى موسكو والتى لم تقف مكتوفى الأيدى للدفاع عن أمنها القومى فقررت احتلال جزيرة القرم الاستراتيجية ودعمت المتمردين فى إقليم دونباس الغنى بالمعادن النفيسة وسلة غذاء أوروبا من القمح.

ولم تفلح محاولات «بترو بوروشينكو» أول رئيس ديمقراطى فى تخفيف حدة التوتر وعانى الأمرين من الفساد المستشرى وتداخلات الغرب الفجة التى ضربت صميم السيادة لدرجة أن نيويورك تايمز سربت محادثة هاتفية بينه وبين ترامب تفشى ضغوطه من أجل إسداء خدمة شخصية وكادت تطيح بترامب من سدة الحكم وكانت أيضًا القشة التى قصمت ظهر بترو بوروشينكو فى انتخابات 2019 أمام المنتج والممثل اليهودى «فولوديمير زيلينسكى» والذى جسد شخصية مدرس تاريخ من عامة الشعب يقلب الطاولة على النخبة الاوليجارية الغارقة فى الملذات ونجح فى كسب ثقة الجماهير فتختاره رئيسًا للبلاد فى المسلسل الكوميدى «خادم الشعب» والذى حقق نجاحًا مدويًا جعله يعرض على شبكة نتفليكس لثلاثة مواسم وتسبب فى إنشاء حزب خادم الشعب والذى أعلن ترشيح زيلنيسكى  للرئاسة ليلة رأس السنة وخاض حملة انتخابية هوليوديه خرجت عن المألوف اعتمد فيها على شبكات التواصل الاجتماعي، والعروض المسرحية الشيقة، لدرجة أن الساعات الأخيرة من حملته كانت مع فرقته فى إحدى ضواحى كييف.

لم يحلم زيلنيسكى البالغ من العمر 41 عامًا أن يفوق الواقع شطحات الخيال على الرغم من افتقاره إلى الخبرة السياسية فإنه تمكّن من تجاوز 42 مرشحًا مثلوا تيارات وأيديولوجيات مختلفة. واكتسح الجولة الثانية بنسبة 73% وعقب نجاحه قال نعم، ليس لدى خبرة لكن لدى ما يكفى من الطاقة والقوة. بالتأكيد لا أعرف كل شيء عن السياسة، لكننى فى طور التعلم.  فالغموض المريب لا يزال يكتنف سياساته الخارجية.

لذا تدرك الدوائر الغربية أن المهرج الصغير ما هو إلا دمية بيد مالك قناة «1+1» الملياردير إيجور كولومويسكي، عدو بوروشنكو اللدود لذلك يستغله الأطلسى كمخلب قط لمحاصرة روسيا بوتين استراتيجيًا، والذى كشر عن أنيابه بتحركه المدروس على رقعة الشطرنج وفرض منطقه إما ضمانات أمنية مكتوبة أو الغزو وما سيخلفه من آثار لن ينجو من نيرانها أحد، وأياً كان الحل النهائى للأزمة فإن الخاسر الأكبر هى أوكرانيا التى دفعت ثمنًا باهظًا من أمنها وتكبد اقتصادها الهش خسائر كارثية، لذا عزيزى الحالم المثالى للأسف الديمقراطية ليست دائماً هى الحل فى العالم الثالث.