خارج السطر
يشمتُ بالموتِ مَن لا يموتُ
أؤمن أنه لا إله إلا الله. وحده الأعلى، الذى إن شاء لا راد لمشيئته. يُسير الأكوان، ويُقدر الأحداث ويُدبر كُل شىء. يدخل مَن يشاء فى رحمته، ويُعذّب مَن يشاء، وإن كانت رحمته قد وسعت كل شىء، حتى إن جبابرة وخطائين وزناة ترجوا رحماته.
ولا يُنسى بيت شعر أبى نواس أمير التهتك والفجور الذى أوصى أن يُكتب على قبره ويقول «تعاظمنى ذنبى فلما قرنته بعفوك ربى.. كان عفوك أعظمُ.»
من هنا تستفزنى جحافل الجهل، وتوجعنى قساوة قلوبهم، ذلك أنهم يظنون أنفسهم أوصياء الله، موكلون بالحديث باسمه. يحكمون بالعذاب على كل مَن يختلفون معه، ويتصورون أن بأيديهم صكوك الرحمة والمغفرة.
لقد رأيت فيما رأيت ما فعلوه بالكاتب والمفكر سيد القمنى حيا وميتا، لأنه اختلف وفكر بشكل مغاير، واستفز عقولهم الساكنة. كان من الممكن أن يختلفوا معه ويُنكروا ما طرح، ويناقشوه، ويردوا عليه، لكن دون تكفير ومحاكمات تستهدف قتله وتحريض الغوغاء عليه، حتى إنه توارى خائفا قلقا من رصاصة طائشة أو طعنة فى الظلام، فمات قبل موته. وحتى بعد رحيله رحمه الله أنكروا على مودعيه كلمة «رحمه الله» وقرروا تيها وجهلا أنه خارج نطاق الرحمات.
انخلع قلبى وسألت أستاذى وصديقى المبدع الجميل إبراهيم عبدالمجيد «كيف تغير الناس؟ وكيف انحدرت الأخلاق إلى مستنقعات التشفي؟ وكيف نمت كل هذه القساوة فى القلوب؟ أين كُنا وأين كانت النخبة وأين كان مَن يحبون مصر عندما غُرست بذور الكراهية والقسوة فى نفوس الناس؟».
قطعا لم تكن هذه السلوكيات نتاج صحوة دينية! إنها غفوة أخلاق، تسربلت بأردية الدين، واستخدم حملة شعارات «الإسلام هو الحل» بجهل وبعلم فى خلخلة قيمة التسامح لدى المصريين. وفى ظنى وليس كل الظن إثما، فإن تمدد التيار الدينى المتطرف فى شوارع مصر لم يكن عملا عفويا، وإنما هو تدبير لأجهزة ودول ومراكز أبحاث وأدمغة متزنة تُدرك أن أفضل ضربة توجه لبلد الحضارات، هو قتل فكرة التسامح عن طريق قشور من الدين.
فى زمن مبارك المعروف برخاوته، وسكونه، وتيبس الكوادر وطول بقاء رجال الحاشية فى أماكنهم انتشر الدواعش والنماذج الخشنة للمتدينين فى كل مكان. كفروا وحرضوا ولعنوا وشوهوا وأساءوا الظن بكل مَن يفكر ويكتب حتى وصل الأمر بجهول لا يقرأ أن يغرس سكينه فى رقبة أديب نوبل العظيم نجيب محفوظ، وأن يطلق آخرون أكثر جهلا النار على فرج فوده ليردوه قتيلا. رُفعت الحسبة على نصر أبو زيد، وحسن حنفى، وعبدالصبور شاهين، ووضعت أسماء مفكرين وكُتاب على قوائم الاغتيال، ورأت مصر أياما سوداء مظلمة كريهة، حتى استفاقت مؤخرا.
صحيح دحرت الدولة القوية الممتدة منذ سبعة آلاف سنة فلول الظلام وتجار الإسلام وعملاء الأجهزة، لكن المعركة لم تنته بعد. فمازال سماسرة الشعارات، والمتلاعبون بالدين، وخزنة جهنم منثورين فى كل مكان، لذا نراهم ناعقين شامتين فى وفاة كل إنسان خالف رؤاهم واختلف معهم بدءا من رفعت السعيد وحتى نوال السعداوى وسيد القمنى. وفى السوشيال ميديا حيث تختلط مياه الشرب بالصرف الصحى، وتتوالى بشائع النفوس ويخلع الكثيرون أقنعتهم تبدو الحقارات الإنسانية أكثر وضوحا.
وحسبى ببيت شعر عربى قديم يقول «إذا ما الدهرُ جرَّ على أناسٍ / كلا كله أناخ بآخرينا/ فقل للشامتين بنا أفيقوا / سيلقى الشامتون كما لقينا».
وأنا أقول لكم: يشمتُ بالموت مَن لا يموت. والله أعلم.