بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضوء فى آخر النفق

أولاد المحظوظة.. وأولاد المتعوسة!

 

 

 

بنكلم نفسنا! داخلنا «ديالوج» مستبد لا يكف عن «الهرى».. لاحظت أمى رحمها الله منذ زمن بعيد أننى «اهرى وانكت عالفاضى والمليان» كما تعبيرها. عادة سيئة لم يخمد أرقها وقلقها ونارها لحظة.

تمنيت بعد هذا العمر ( طال على غير المتوقع ) أن أكون «جِبِلّة» كما كثيرين فى عالم اليوم.. ليس طمعًا فى حياة أطول.. وإنما للراحة ولو لبرهة من افتراس التفاصيل الصغيرة لعقلى. ربما لا يقتلنى سيجارى الكوهيبا (دخنته فى أيام العز) أو سجائرى (ألوذ بها فى أيام القحط).. أو ارتفاع ضغط الدم، أو اختناق التنفس أثناء النوم.. لكن سيقتلنى اهتمامى بالتفاصيل الصغيرة! هكذا أنتمى إلى «ولاد المتعوسة».. صدق أو لا تصدق أننى مشغول مثلًا - فى بيتى.. فى الشارع.. أو حتى مع حبيبتي- بفكرة العمل وبأداء العمال (كلنا عمال بدرجات مختلفة). لا يذهب عن بالى مثلًا غابة التراكتورات والتريلات والأوناش المحملة بالزلط والدقشوم والزفت والقار.. وعشرات العمال باليونيفورم المميز والخوذات الواقية.. تقفز إلى مخيلتى فورًا أُمنية فى جملة: «آه لو ظبطت الخلطة»!

تظل الأمنية مستعرة حتى تَفّقُدِى لها مرة أخرى! خذلان مرير وهَمٌ أبشع من همِ الدين.. عندما ترى العمال والمهندسين فرغوا من الرصف.. وذهبت الأوناش.. وإذا بالحريق يشتعل فى صدرى.. يبقى ما بقى بالطريق من أخطاء التنفيذ وخطايا «ولاد المحظوظة» الذين أفسدوا الخلطة من دون أن يمسك بـ«زمارة رقابيهم» أحد! لماذا؟

ينهشنى السؤال وتحزننى الأمنيات المقهورة والأموال المهدورة، ويستبد بى «ديالوجى» الداخلى وأحاور نفسى فى بلاهة: كيف سمح الملاحظ باستلام الطريق بهذه الحالة؟ ما الذى سيقوله لمسئوليه الأعلى؟ هل سيقرون جريمته؟ ماذا لو أنهم أرادوا تفقده أو افتتاحه؟ هل سيتخير لهم قطعة طريق من حرير؟ كيف سولت لكم انفسكم خيانة الأمانة وإفساد طريق كلفتم مسئولية تحديثه وتطويره (عن الدائرى أتحدث)؟

كيف تتسلمونه هكذا مائلا منبعجًا متعرجًا مُذِلًا لمستخدميه.. مفترسا لخيالى ووجدانى ووجدان المتعوسين أمثالى! تغرقنى هذه التفاصيل التى اعتادها الناس وصارت جزءًا من مللهم المعتاد؟ لماذا لازالت لدىّ قدرة على الاستغراب والدهشة. يقينًا ليس بالمعنى الإيجابى البديع، الذى يلمع فى عيون المبدعين، الذين يحدثونك عن جمال ما يشعرون به احيانا وهم يسمعون لحنًا أو أغنية أو يشاهدون فيلما أو يقرأون كتابا، فيقولون إنهم استعادوا معه قدرتهم على الدهشة من فرط روعته. المعنى السلبى هو الذى يشغلنى هنا.. فغالبية الناس ( ولاد المحظوظة) من كثرة ما صاروا معتادين فى الحياة من كوارث ومصائب أصيبوا بالتبلد، وفقدوا قدرتهم حتى على الانذهال والاستغراب. الوصف الشائع لديهم بكل بساطة وأريحية هو «عادي»! حقهم طبعا.. الزمان اختلف.. هناك قوانين وقواعد مختلفة فى زماننا هذا وضعها آخرون أو متبلدون.. أصبحت هى الطبيعى والعادى.. ومن لا يتحملونها يصبحون نشازًا.. يستحقون «التريقة» والسخرية!

إفساد «الخلطة» تخصص فيما يبدو! فى كل مكان هناك هذا المفسد.. الذى لا يعبأ بشيء «ابن المحظوظة»! أحدهم اخترع فكرة إقامة مسرح فى «الطّلْ» بمعرض الكتاب، ليكون منصة للشعراء فى «عز البرد»! لم يفكر بالأمطار أو الصقيع أو العواصف.. تجاهل حتى الجمهور.. فلم يضع كرسيًا حتى لعجوز ضخم مثلي! ربما رأى أن جمهور الشعر يستحق «التذنيب»، والمعاملة كما التلامذة «الخايبين» عقابهم يعاقبون الوقوف ووجههم للحائط! «يا ريتنى كنت جبلة»!