بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الإخوان الإرهابية ومسيرة التلون والتواطؤ (٣٤)

نستكمل حديثنا اليوم مع سيد قطب ايقونة الإرهاب العالمى وكتابه الشهير «معالم فى الطريق»، والذى قسم فيه قطب المجتمعات إلى نوعين «مجتمع إسلامى، ومجتمع جاهلي»، فالمجتمع الإسلامى ـ بنظره ـ عزيزى القارئ هو المجتمع الذى يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاما، وخلقا، وسلوكا، أما المجتمع الجاهلى فهو الذى لا يطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته ولا تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، ولكن يستدرك سيد قطب موضحا أن المجتمع الإسلامى ليس هو الذى يضم أناسا يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست هى قانون البلد، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام، فليس هذا هو المجتمع الإسلامى الذى يبتدع لنفسه إسلاما من عنده، ويسميه الإسلام المتطور، وفى المقابل يفصل قطب طبيعة المجتمع الجاهلى «لا يشترط بالضرورة أن يكون أهله ينكرون وجود الله»، فالمجتمع الجاهلى هو الذى يبيح للناس أن يتعبدوا فى المساجد، ولكن يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم الشريعة فى حياتهم.

ونتيجة لذلك، يقرر سيد قطب فى كتابه الشهير الآخر فى ظلال القرآن، بأنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هى شريعة الله، والفقه الإسلامى، فلقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين، فارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن فى مشارق الأرض ومغاربها كلمات (لا إله إلا الله) بلا مدلول ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا فى دين الله، تدور هذه الأفكار التى بثها سيد قطب فى مجمل كتبه، وتبعه بعدها محمد قطب حول نظرية الحاكمية التى أصبحت منهجا فكريا لدى مجمل التيارات والحركات الإسلامية الأصولية والجهادية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية.

يعد أبو الأعلى المودودى الأصولى الهندى ثم الباكستانى، وهو الأب المؤسس لأفكار الإسلام السياسى، وأول من أطلق نظرية الحاكمية وأصَّلها، ثم انتقلت بعد ذلك لأبرز تلاميذه سيد قطب، وبعدها تشكلت منهجا أساسا فى المدرسة القطبية، فعندما أسس المودودى الجماعة الإسلامية فى لاهور عام ١٩٤١، وضع كتابه التأسيسى المصطلحات الأربعة فى القرآن، «الإله والرب والدين والعبادة»، ونشر فصوله بعد ذلك، تباعا فى مجلة ترجمان القرآن، وضمن نصوصه يقرر المودودى فكرة الانفصال عن المجتمع الجاهلى من خلال تأسيس جماعة مؤمنة تعيد المجتمع إلى مساره الصحيح، حيث قال لا بد من وجود جماعة صادقة فى دعوتها إلى الله، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شيء سوى الله وطريقه، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة، وتلفيق الاتهامات وحياكة الأكاذيب وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار.

ويؤكد المودودى أن الطريق فى سبيل الوصول إلى تحقيق توحيد الحاكمية، لابد أن تستخدم من أجله كل الوسائل حتى العنف، لأن الإسلام يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها ولا يتحرج فى استخدام القوة الحربية لذلك، وهو لا يريد بهذه الحملة أن يكره من يخالفه فى الفكرة على ترك عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام إنما يريد أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، وعليه فإن الإسلام ليس له من هذه الوجهة دار محدودة بالحدود الجغرافية يذود ويدافع عنها، وإنما يملك مبادئ وأصولا يستميت فى الدفاع عنها، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

هذه الجماعة المؤمنة المقاتلة كانت هى القاعدة الصلبة فى مشروع سيد قطب كما فى كتابه معالم فى الطريق، والحل الذى قدمه محمد قطب كما فى كتابه واقعنا المعاصر. وللحديث بقية

[email protected]