بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

وفروها أفضل... «1»

كان يرتدى جاكيتً شتويًا عاديًا بلا ماركة، من النوع الذى يرتديه العامة، وبنطلون من الجينز التقليدى، ويقود دراجته فى شوارع مدينة «دينهاخ» أو المعروفة بـ «لاهاي» العاصمة السياسية لهولندا فى طريقه إلى عمله، المسافة من منزله لعمله تستغرق قرابة الساعة بالدراجة، ولكنه كان يقودها بكل حيوية ونشاط رغم الصقيع.

لم يتنبه أى من المارة على الإطلاق أن هذا الشخص هو «مارك روتا» رئيس الوزراء، وأنه يستقل دراجته الهوائية قاصدًا مقر رئاسة الوزراء لممارسة مهام أعماله، بلا سيارة رغم أنه يمتلك إحداها، وبلا زفة حراسة أمنية ترافقه، وبلا أى مظاهر «فخفخة» أو بذخ تؤكد أهميته الخاصة، كشخص مسئول له مركزه، لأنه ببساطة يدرك أنه ليس أكثر من موظف لدى الدولة، ولكن موظف بدرجة رئيس وزراء، وأنه يتولى مهام منصبه لخدمة الشعب، وليس ليكون فوق الشعب، وأن عليه توفير كل سنت يمكن أن يوفره من النفقات العامة، لأجل أبناء بلده دافعى الضرائب، لأن انتقادات الشعب لا ترحم، وأقلام الصحفيين تكتب بلا خوف ولا تقصف، وأصوات الإعلام عالية فى جرأة بلا حدود، ومن السهل انتقاده ومحاسبته أمام الشعب والبرلمان الذى يمثله، يحاسب على كل ما ينفق عليه من أموال الشعب، حتى لو تحت بند حمايته كشخص مهم.

فى الواقع ليس رئيس وزراء هولندا الوحيد الذى يذهب لعمله بدراجته، هناك كثيرون غيره من الوزراء والمسئولين فى الدول الأوروبية بل وأمريكا، والكثير من الدول المتقدمة، يذهبون وزاراتهم وأعمالهم ذات المناصب المهمة بالدراجة، أما إذا ذهب أى منهم بسيارته الخاصة، أو حتى سيارة تابعة للحكومة، فهو يذهب فى سيارة واحدة فقط، لا تحيطها زفة سيارات وموتوسيكلات محملة بالحراسات الأمنية، ولا يتم إطلاق «كلاكس» واحد لأجل إفساح الطريق أمامه، ولا يتم إغلاق طرق، أو تعطيل حركة مرور، فلا يوجد ما يسمى بموكب الحراسات الأمنية له أو لغيره من الوزراء والمسئولين، باستثناء الملك أو الملكة فى هذه الدول الغنية المتقدمة.

ولنقارن ما كنت أراه هناك فى البلدان الأوروبية، وبين ما يحدث لدينا، تكون فى سيارتك فى أمان الله أو فى قلب أى وسيلة مواصلات أخرى على الطريق، وفجأة يتم توقيف كل السيارات، وتعطيل حركة المرور، وإجبار كل السيارات على التزام أحد جوانب الطريق، والتوقف عن السير وفقما تيسر من الوقت بدءًا من ربع ساعة إلى ما فوقها، وتسمع أصوت «كلاكسات» عالية متداخلة مع سارينة سيارات للشرطة، فتصاب بالذعر والقلق المشوب بالانتظار، وتتصاعد لدى الأغلبية من الذين تم تعطيلهم حالة من السخط والغضب، حتى يمرق الموكب الميمون، دونما الاهتمام بتعطل المواطنين المزيد من الوقت المضاف للزحام والاختناقات، تعطلهم عن أعمالهم أو الطلاب عن مدارسهم وجامعاتهم، وقد يكون بعضهم فى طريقة لأداء الامتحانات، كل هذا لا يهم وفداء لعيون المسئول، الذى تم تجميد حركة الحياة، وإيقاف الطريق وإخلائه، لكى يمر موكبه المفدى.

لقد أصبحت مواكب المسئولين صورة مرفوضة، تشكل المزيد من الأعباء على الكبارى والطرقات، وفى قلب القاهرة، صورة مبالغ بها فى عدد سيارات الحراسة ورجال الأمن المرافقين لسيادته أو سيادتها، وقبل كل هذا، الإنفاقات المالية التى تتكلفها هذه الحراسات من ملايين الجنيهات سنويًا، فى الوقت الذى تواجه فيه مصر أوضاع اقتصادية صعبة، وجهود حثيثة للتنمية والإصلاح الاقتصادى نحتاج فيها إلى توفير كل جنيه، وهو ما يجعلنى أضع هذه الإنفاقات على مواكب الحراسات تحت بند «إهدار المال العام»، حيث كشفت تقارير اقتصادية رسمية، أن متوسط إنفاق الدولة على وسائل انتقال كبار المسئولين ومواكب حراساتهم أكثر من 895 مليون جنيه سنويًا، وذلك قبل ثورة 25 يناير، والآن تضاعفت هذه التكاليف، مع زيادة عدد الوزارات، والمبالغة فى التأمين وعدد السيارات المرافقة لكل وزير أو مسئول.

ولعلنى أستعيد من ذاكرة الأحداث ما فعله المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء عقب تعيينه فى يونيو 2014، حيث أصدر قرارا تاريخيًا بإلغاء موكب رئيس الوزراء، والاكتفاء بسيارة واحدة، معلنًا رغبته فى انتهاء هذه المظاهر من مصر خلال المرحلة المقبلة، لكن للأسف لم يتحقق ما أعلنه، فقد رافق السيارة التى كانت تقله إلى سفرياته وتنقلاته وزيارته قرابة 13 سيارة، ما بين مرسيدس وجيب وسيارات مختلفة الماركات، بجانب قوات التأمين، و... وللحديث بقية.

[email protected]