الإخوان الإرهابية ومسيرة التلون والتواطؤ (٣٢)
نستكمل حديثنا اليوم مع من وصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، إنه سيد قطب، منظر الإرهاب والتطرف، وستجد عزيزى القارئ أطر سيد قطب لأنصار تنظيمه العزلة الجغرافية، ولمن آمن بأفكاره من بعد، كخطوة تلى العزلة الشعورية عند التمكين فى تفسير الآية الكريمة فى سورة يونس {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}، بعد أن قرر فيما سبق دخول مسلمى العصر فى إطار المجتمع الجاهلى، حيث قال «هنا يرشدهم الله إلى اعتزال معابد الجاهلية (مساجدها)، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلى»، وقد علل قطب نظريته تلك بتكفير المجتمعات كلها، فشرعنها قائلًا إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هى شريعة الله والفقه الإسلامى.
هذا الأمر تحقق لتلك الجماعات الإسلامية المتطرفة، عندما تسللوا إلى سوريا، بحجة نصرة السوريين المظلومين ضد نظام الأسد، ولكنهم بنوا معسكراتهم وعاشوا فى مناطق منعزلة جغرافيا عن المجتمع الجاهلى فى مجمعات سكنية لا يشاركهم فيها أحد ممن لا يؤمن بأفكارهم، وعندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على مناطق شاسعة من سوريا، بقى أعضاؤه يعيشون فى مناطق سكنية خاصة بهم، لتطبيق العزلة الجغرافية، وكذا فعل تنظيم جبهة النصرة قبل تغيير اسمه، ومن أكثر المؤمنين بالعزلة الجغرافية، الحزب التركستانى، وكذلك تنظيم «حرّاس العقيدة»، الموجودان فى سوريا اليوم، وهؤلاء على درجة تطرف عالية جدًا.. ولهذا كله ما يزال سيد قطب يقودهم من قبره.
يعد سيد قطب أهم منظرى الحاكمية عربيا، والتنظيمات المتشددة تبنت أفكاره، وعملت بها ولقد طرحها من خلال كتابيه «فى ظلال القرآن»، و«معالم فى الطريق»، ونال هذان الكتابان شهرة عربية واسعة. يبدأ بالتنظير لها بقوله «والذين لا يفردون الله بالحاكمية، فى أى زمان وفى أى مكان، هم مشركون لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده»، وينتج عن هذا الاعتقاد القطبى تكفير المجتمعات المسلمة كلها، مهما فعلت، وهذا ما انتهى إليه قطب نفسه بقوله «ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم»، هذا الاعتقاد القطبى مخالف لهدى النبى الذى عد النجاشى مؤمنا، لمجرد اعتقاده بالله، فصلى عليه حين موته، على الرغم من أن النجاشى لم يطبق شيئًا من الحاكمية التى ابتدعها قطب، لكن عدم تطبيق حاكمية الله عند قطب، يلغى وجود الإسلام، وبذلك يكون كل مسلم وإن أدى الشعائر ونطق الشهادتين من أهل الجاهلية، من دون أدنى شك عنده، إذ قال «إن وجود الإسلام قد توقف… هذا طريق، والطريق الآخر أن تظن هذه الحركات لحظة واحدة أن الإسلام قائم، وإن هؤلاء الذين يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين هم فعلًا مسلمون…فإن سارت الحركات فى الطريق الأول سارت على صراط الله وهداه… وإن سارت فى الطريق الثانى، فستسير وراء سراب كاذب».
ثم يكشف قطب عن البعد السلطوى والسياسى لمفهوم الحاكمية، بقوله «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادا فى الضمير وعبادة فى الشعائر وشريعة فى واقع الحياة»، ويبدو البعد السياسى لمفهوم الحاكمية واضحا عنده، إذ يقول «وليس الطريق أن نخلص الأرض من يد طاغوت رومانى أو طاغوت فارسى إلى يد طاغوت عربى، فالطاغوت كله طاغوت، إن الأرض لله، وليس الطريق أن يتحرر الناس فى هذه الأرض من طاغوت إلى طاغوت، إن الناس عبيد الله وحده لا حاكمية إلا لله، لا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، وهذا هو الطريق».
إنه ينطلق من الحاكمية ويريد السياسة والسلطة، وهذا واضح فى قوله «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان إفراده بها اعتقادًا فى الضمير وعبادة فى الشعائر وشريعة فى واقع الحياة»، وللحديث بقية