افصل زر الخوف
من الجيد أن تثق فى الناس والأفضل ألا تفعل ذلك.. هكذا يجب أن يكون الحال، وهكذا يجب أن نتعلم بعد انتحار طالبة كفر الزيات، وطلاق معلمة الدقهلية وخراب بيتها، وتدمير حياتها وأسرتها، وتهديدها بالانتحار هى الأخرى، نتيجة لجريمة ابتزاز شخصى كما فى الحالة الأولى أو مجتمعى فى الحالة الثانية.
فى ظل هذا العالم الافتراضى المرعب، يجب على كل منا أن يٌخبئ أسراره داخل خزانة محكمة الغلق بأرقام سرية لا يطّلع عليها أحد، أو يضع تفاصيل حياته الخاصة فى ملف مشفّر لا يمكن فتحه أو الوصول إليه، وإن تم العثور عليه عن طريق الصدفة أو القصد فلا يُفهم منه شيء، لأننا ببساطة يمكن أن نصبح يومًا ما فريسة بضغطة زر على وسائل التواصل الإجتماعى، ونكون أحد ضحايا عملية ابتزاز رخيصة.
وسواء كنت من المتعاطفين مع معلمة الدقهلية، أو ممن صببت عليها اللعنات، ونصبت الميزان للحساب، وتقمصت دور القاضى والجلاد، و أصدرت الأحكام، فعليك أن تعلم أن الذين يمارسون الابتزاز هم الأقربون، نعم كما قرأت.. الأقربون ولا تتعجب!!.. ألم تسأل نفسك من قام بتصوير معلمة الدقهلية أثناء رحلتها النيلية مع أولادها وعدد من زملاء مهنتها وأسرهم؟.. الجواب ببساطة، أحد الحضور ممن شاهد وضحك وصفق وربما رقص، ثم سرب للفضاء المتهافت على نشر أى شيء من أجل التسلية والسخرية، أوالتشفى والحصول على بعض الضحكات المؤقتة على قبر الضحية، دون رادع أو وازع دينى أو أخلاقى، فى انتظار ضحية جديدة تطفو على السطح لنصب المشانق من جديد..!!
قد يكون المبتز قريبا لك أو قريبا منك، مديرك فى العمل أو زميل.. فالمبتز شخص يعرفك ويعرف تفاصيل فى حياتك، يعرف ما تخاف منه وما تخاف عليه، شخص ما يضحك فى وجهك ثم يطعنك فى ظهرك، فاحترس لأن الثمن الذى ندفعه فى كل مرة نستسلم فيها للابتزاز هو ثمن باهظ جدًا.
ونحن كمجتمع وكأفراد نمارس نوعًا من أنواع الابتزاز أو يُمارس ضدنا، تحت مسمى الضغط أو القسوة من أجل الصالح العام أو المنفعة الشخصية، على اختلاف نوع الابتزاز والشخص المُبتز، وربما كنت يومًا أحد طرفى عملية الابتزاز فى مرحلة من حياتك دون أن تدرى، ألم تتعرض يومًا لمدير طلب منك أن تفعل شيئًا وإن لم تفعل سيتم حرمانك من ترقية أو فصلك من العمل!!.. ألم تتعرضى يومًا للتهديد من خطيبك بالانفصال إذا لم تستجيبى لأوامره ونواهيه؟.. ألم تتعرضى يومًا لزوجك يشهر سلاح الطلاق فى وجهك إن لم تفعلى كذا وكذا..؟.. ألم يهددك أحد أبنائك بأنه سيؤذى نفسه إذا لم تلبِ رغباته؟.. ألم يهددك أحد والديك بعقوبة الهجر والخصام أوالحرمان…!!.. إذا كانت الإجابة بنعم.. فنحن نعيش فى محيط تسبح فيه أنواع شتى من ثقافة الابتزاز تتسلل إلى تفاصيل حياتنا دون مقاومة، رغم نبُل الأهداف وصدق النوايا فى كثير من الحالات..!!
السؤال الضرورى والمهم.. كيف نحمى أنفسنا إذا وقعنا فريسة لعملية الابتزاز؟
كل ما يحتاج إليه من يمارس الابتزاز لتحقيق أهدافه، بداية من الطلب الذى يريد، مرورًا بعمليات الضغط والتهديد الذى يمارسه، هو أن يثير لدينا الخوف الذى يصنع سٌحبًا وحواجز من الضباب تجعلنا غير قادرين على التفكير، عاجزين عن إنقاذ أنفسنا وسط دوامة من الخوف.
لذلك إذا أردنا أن نحمى أنفسنا من عملية الابتزاز علينا فصل زر الخوف، كما تقول الدكتورة «سوزان فورورد» المتخصصة فى العلاقات الإنسانية فى كتابها الابتزاز العاطفى، وأرى أنه ينطبق على جميع أنواع الابتزاز بأشكاله ومتحوراته الحالية والمستقبلية.
تقول «فورورد».. «الكثير من المخاوف التى نشعر بها فى الابتزاز العاطفى تنشأ عندما نتوقع مخاطر تحدث أولا تحدث، والمبتزون فى حياتنا يلعبون بشكل بديهى على تلك المخاوف ويعظمونها، صور كارثية تتضخم فى عقولنا وتصبح حيوية لدرجة أنها تبدو حقيقية تمامًا، لذلك يتضمن التعامل الفعّال مع الخوف تدريب أنفسنا على أن ننحى جانبًا أسوأ افتراضاتنا القهرية ونضع خيارات ايجابية، تقول «فورورد»: لقد تركت خيالك ليلعب ضدك، والآن لندعه يعمل لصالحك.
وتكمل «فورورد»: أريد منك أن تتعلم وتمارس قول بيان القوة وهى جملة واحدة قصيرة يمكنك استخدامها للحفاظ على توازنك، عندما يمارس المبتزون ضغوطهم : « أنا أستطيع التحمل».. ربما تبدو تلك الكلمات الثلاث غير مهمة، لكن إذا تم استخدامها استخدامًا صحيحًا يمكنها أن تصبح أحد أقوى أسلحة مقاومة الابتزاز العاطفى.
ختامًا.. إن الصمود فى وجه محاولات الآخرين للسيطرة علينا، هو الطريق للحفاظ على حياتنا.. ونحن كبشر مثل كل الكائنات، لدينا نعمة وجود حارس داخلى مستعد دائمًا لتحذيرنا وتوجيهنا.. ثق فى فطرتك واحمِ نفسك.