حكاوى
رحم الله العملاقين جمال بدوى وسعيد عبدالخالق
فى مثل هذه الأيام من شهر ديسمبر رحل عن دنيانا كاتبان صحفيان كبيران هما الأستاذ جمال بدوى رئيس تحرير «الوفد» الأسبق الذى غيبه الموت فى 31 ديسمبر 2007، والأستاذ سعيد عبدالخالق رئيس تحرير «الوفد» الأسبق الذى توفى إلى رحاب الله فى 26 ديسمبر 2010.. فقد جمع بين الفقيدين الكبيرين الموت فى شهر واحد هو ديسمبر.. رحم الله الأستاذين الكبيرين اللذين شكلا وجدانى الصحفى مع الأستاذين الكبيرين الراحلين مصطفى شردى وعباس الطرابيلى، عليهما رحمة الله.. إضافة إلى الكاتب الصحفى الكبير أفضل مخرج صحفى أنجبته مصر والوطن العربى الأستاذ عبدالنبى عبدالبارى- أطال الله فى عمره ومتعه بالصحة والعافية، هؤلاء الخمسة شيدوا مدرسة صحفية عظيمة باتت حديث الدنيا حتى الآن، وكلهم بلا استثناء تتلمذوا على أيدى الراحلين الصحفيين مصطفى وعلى أمين ومحمد التابعى وجلال الدين الحمامصى.
وأحسد نفسى وأقرانى وزملائى الذين تتلمذوا على أيدى هؤلاء العظماء، خاصة الراحلين الكريمين جمال بدوى المفكر والمؤرخ الكبير الذى ترك خلفه تراثاً ليس صحفياً فقط، وإنما هو تراث علمى كبير داخل المكتبة العربية. فقد بلغت مؤلفاته حتى موته أكثر من عشرين كتاباً فى الفكر والتاريخ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر محراب الفكر، مسلمون وأقباط من المهد إلى المجد. ويعد جمال بدوى الذى تتلمذت على يديه أفضل من كتب عن المواطنة فى مصر وأفضل من تحدث عن أشقائنا الأقباط، وكانت تربطه علاقات وطيدة مع البابا الراحل شنودة الثالث، وسعد فخرى عبدالنور سكرتير عام حزب الوفد الأسبق. ومن يقرأ كتبه ومقالاته عن الأقباط يعرف تماماً المواطنة الحقيقية التى أرخ لها هذا الكاتب الراحل العملاق.
ولا يمكن أبداً أن أنسى الحديث المطول الذى دار بينى وبينه عندما كنت أقرأ وأدرس الحملات الصليبية وتاريخها الطويل. وكيف أن جمال بدوى أمدنى بالعديد من المصادر الموثوق بها حتى لا يحدث بعقلى شطط بعد دراسة الحملات الصليبية، وكيف تعامل صلاح الدين الأيوبى مع بعض هذه الحملات. ومن أفضل كتب جمال بدوى «مسافرون بلا متاع»، و«الوحدة الوطنية بديلاً عن الفتنة الطائفية»، و«أنا المصرى فى عيون التراث» وخلافها من الكتب والمراجع المهمة التى يتحدث فيها عن التاريخ المصرى، وحصد جمال بدوى العديد من الجوائز الصحفية فى حياته، وكثيراً ما كان يشرفنى تحديداً بالسفر بدلاً منه فى العديد من الدول العربية لتمثيل صحيفة «الوفد» فى هذه الملتقيات، رحم الله العظيم جمال بدوى وأدخله فسيح الجنات.
أما الراحل الكريم سعيد عبدالخالق فقد تعلمت على يديه صناعة الخبر ونشره، ومن نعم الله علىَّ أنه كان حريصاً على أن أظل إلى جواره فى الديسك المركزى منذ التحاقى بصحيفة «الوفد» عام 1986 قادماً من الأردن، حيث كنت أعمل بصحيفتى شيحان والشعب الأردنية. فقد تميز سعيد عبدالخالق بأنه صاحب مدرسة خبرية عظيمة تعلم فيها كل زملائى فى «الوفد». كان سعيد عبدالخالق من أمهر الصحفيين الذين حاربوا الفساد من خلال باب «العصفورة» الذى كان ينشر كل خميس بـ«الوفد»، ويعد هذا الباب من أشهر الأبواب الصحفية التى نالت شهرة فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية. كما أن سعيد عبدالخالق كان له دور كبير فى الحرب على الصحف الصفراء التى كانت تصدر من قبرص، ما جعل الرئيس الراحل حسنى مبارك يقرر وقف التراخيص الصحفية الصادرة من قبرص والاكتفاء بالتراخيص من لندن.
رحم الله الكاتبين الراحلين المقيمين جمال بدوى وسعيد عبدالخالق، اللذين يعدان علمين كبيرين فى علم وفن الصحافة، وكان لهما الفضل الكبير فى تخريج أجيال كثيرة فى هذه المهنة التى نعتز بها كثيراً.. طيب الله ثراهما وأدخلهما فسيح الجنات.
ملاحظة:
تعبير «الراحلين المقيمين» استعرته من أستاذى العزيز الدكتور حسين حمودة الذى تشرفت بأن أكون تلميذاً له خلال إعداد أطروحة الماجستير بكلية الآداب جامعة القاهرة.