خارج السطر
مستقبل الإبداع فى بلادى
أنا مهموم بالجمال وصناعته. غرسه غرسةً غرسة. ريُه، وتهيئة التربة ليترعرع، إزالة الأعشاب الضارة حوله، والعناية به، والترويج له، والفرحة بازدهاره.
وأتصور أن مهمة الكاتب فى الأرض هى مقاومة القُبح أيا كان شكله، ومهما كان حجمه، وفتح النوافذ للإطلال على ربيع أخضر، نحلم باستمراره للأبد.
لذا، فأنا منزعج وقلق وخائف على مستقبل الابداع فى بلادى، والذى تُغبشه الضباب، فينزوى ويذبُل كنماذج جمال كثيرة تموت ببطء لأنها لا تجد عناية المعنيين، ولا اهتمام صناع القرار.
سأقول لربى إننى قلت وكتبت وحذرت وحاولت مقاومة القبح قدر استطاعتى، فليس لى سلطة، وقلمى وعقلى ولسانى هى كل ما أملك.
وما أراه وما أعتقده وما أومن به هو أن الفنون والآداب والثقافة ليست ترفا، وإنما صناعة عظيمة تُغير الإنسان. بكلمة عذبة تتبدل نفوس، وبقصيدة شعر تتحول عقول، وبفيلم سينمائى يُمكن صناعة زخم وغرس قيم وبناء توجهات.
أين الفنون من بناء جمهوريتنا الجديدة؟ ما بالها خرجت من كافة الحسابات، وخفتت رويدا رويدا حتى إننا لم نعد نسمع شيئا عن نحاتين جدد، تشكيليين، شعراء، ومبدعين غير تقليديين. لم نر مُنذ سنوات مؤتمرات تثقيف حقيقية. لم نشهد ورش ابداع ترعاها الدولة للموهوبين فى الأرياف دعما لمواهبهم. وبالطبع لم تشهد حركة الترجمة نقلا مأمولا لآداب وعلوم وأفكار يعُج بها العالم ونحن عنها غائبون. صحيح إن هناك ميزانيات للثقافة والنشر والترجمة وقصور الثقافة، لكن مّن قال إنها تكفى من الأساس أجور ورواتب الموظفين؟ ولِم لا تُضاعف مرتين وثلاثا وأكثر استهدافا لإيقاظ المعارف والثقافة؟
اتسعت صناعة النشر عددا، وشكلا، لكنها وهنت نشاطا وعملا ومضمونا. ورغم أن إنتاجنا الكتبى تجاوز عشرين ألف كتاب سنويا، إلا أن أعلى الكتب توزيعا لم تتجاوز مبيعاتها خمسة آلاف نسخة، فى ظل اتساع ظاهرة القرصنة التى امتدت لكل كتاب دون تحرك حقيقى من أجهزة وهيئات ومؤسسات يفترض أنها داعمة للثقافة.
ضعفت صناعة السينما إنتاجا وتأثيرا، حتى صار الذهاب إلى دور العرض قاصرا على المسنين فى مواسم بعينها. تقول صديقتنا الوزيرة، النائبة المثقفة درية شرف الدين فى مقال حديث لها إننا لا يمكن أن نصدق أن بلدا سكانه مئة وخمسة ملايين ينتج خمسة عشر فيلما فى السنة! لقد كان إنتاجنا السينمائى يتجاوز مئة فيلم عندما كان عدد السكان عشرين مليونا، وكانت صادراتنا من الأفلام تتجاوز صادراتنا من الأقطان. وهكذا تحولت عيون وعقول السينمائين المصريين إلى الشرق، فى المملكة العربية السعودية، التى بدأت نهضة فنية وإبداعية شاملة، وصار صاحب أى فكرة، سيناريو، تصور إبداعى يتوجه به إلى هناك إيمانا بأن هناك اهتماما ومساندة وتشجيعا.
من المسئول؟ وما السبب؟ ولمَ لم تمتد سياسة بناء الجمهورية الجديدة إلى صروح الفن والإبداع والثقافة؟ كيف تناسينا أن إنسان خاو من الابداع هو هدف سهل لصيادى التأسلم الإرهابي؟ كيف أمكننا أن نترك الساحة لسين وصاد وعين لتُهيمن وتتحكم وتُشغل؟
إن أمريكا هى القوة الضاربة الأولى فى الاقتصاد العالمى باستحواذها على نحو خمس الناتج الإجمالى للعالم، لكنها يقينا ليست الأولى فى الجمال، والابداع، والفن.. وحسبنا أن ننظر بعين الاعتبار لدول نامية وصغيرة صنعت بصمات خالدة فى فن السينما والرواية والشعر.
لا يجب أن نتعلل بالاستهداف، ولا ينبغى أن نخضع للموج العالى. إن صديقى الشاعر الألمانى العظيم جوته يقول فى إصرار «يمكن أن تصنع الجمال، حتى من الحجارة التى توضع فى طريقك لتعثرك.».
والله أعلم