طلة
بيل جيتس.. ذلك المفجوع!
أثارت صورة للملياردير الأمريكى الأشهر بيل جيتس جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي. ظهر بيل جيتس فى الصورة وهو خارج من احد المطاعم ممسكا فى يده بقرطاس- شنطة ورقية- فيه بقايا الوجبة التى طلبها فى المطعم ولم يأكلها كلها، فطلب وضع ما تبقى فى ذلك القرطاس ليأخذه معه. طبعا ذلك التصرف عادى جدا ليس فى أمريكا فقط، بل موجود فى كل دول العالم تقريبا، لكن لأن بطل الواقعة من أغنى أغنياء العالم قامت الدنيا ولم تقعد، كيف فعل بيل البخيل تلك الفعلة الشنعاء؟ معظم ردود الفعل الغاضبة من بيل جيتس جاءت من خارج الولايات المتحدة لأنهم فى أمريكا لا يعتبرون ذلك بخلا، بل هو سلوك عادى ليس له أية علاقة بالحالة المادية للشخص.
بمعنى أدق، الثراء فى الولايات المتحدة الأمريكية وظيفة وليست سلوكا، فالثرى يتعامل بنفس سلوك أى مواطن أمريكى. الثقافة هنا هى التى تحكم سلوك الغنى والفقير على السواء. معظم الوجبات فى المطاعم الأمريكية وجبات كبيرة جدا، لذا ليس مستغربا أبدا أن رجلا وزوجته فى مطعم طلبا وجبة واحدة، لن ينظر لهم الجرسون نظرة احتقار متهما اياهما- بينه وبين نفسه طبعا- بالبخل أو التقتير، بل هو سلوك عادى جدا، بل ومن الطبيعى أن يسألك ذلك الجارسون لو كنت ترغب فى كيس لتضع فيه ما تبقى من طعامك حتى لو كان ما تبقى نذرا يسيرا،هو هنا لا يسخر منك لا سمح الله بل يقوم بواجبه كاملا تجاه الزبون حتى يعود مرة اخري.
اذكر منذ سنوات أن كنت فى زيارة للولايات المتحدة وعرض صديق أمريكى أن أذهب معه إلى حفل استقبال سيحضره بيل جيتس. طبعا وافقت على الفور وذهبنا مبكرا جدا ولم يكن هناك سوى بعض الضيوف لا يتجاوز العشرة، سلمت عليهم جميعا دون اكتراث وكان كل ما شغلنى هو ترقب الموكب الذى سيصل به بيل جيتس إلى مكان حفل الاستقبال. طبعا صديقى لاحظ سرحانى وعندما صارحته بما يدور بداخلى ضحك وهو يقول لى ان بيل جيتس موجود ضمن العشرة الذين سبقونا للحفل والذين صافحناهم منذ قليل، وبشكل تلقائى عدت للسلام على الرجل من جديد فابتسم بلطف ولسان حاله مندهش طبعا من تكرارى السلام عليه. كان الرجل يتحدث فى تواضع شديد وكان كل شيء فيه عاديا جدا. لا مبالغة فى الملابس ولا فى أى شيء يخص المظاهر، حرصت طبعا على مشاهدة الموكب الذى سيغادر به الحفل لتعويض ما فاتنى عند قدومه، فإذا به يقود بنفسه سيارة عادية، ليس معه سائق خاص، ولا تحيط سيارته أى نوع من أنواع المواكب الاستعراضية التى تواكب تحركات بعض صغار كبار الموظفين فى بلادنا.
الغريب أن أغنياء العرب أولى بهذا التواضع وبهذه السلوكيات التى ترفع صاحبها إلى مراتب عالية ليس لها علاقة بموقعه فى ترتيب أغنياء العالم، أما ترك بقايا الطعام والقاؤها فى صناديق القمامة فهى من الأعمال التى ينهانا عنها الدين أصلا، بغض النظر عن ان فهمهم فى الغرب لهذه المسألة هو مجرد ثقافة، والأغرب أن معظم الانتقادات لبيل جيتس جاءت من المجتمعات العربية والإسلامية التى تشهد بعض احتفالياتها الاستعراضية موائد طويلة عريضة من الطعام الذى يكفى ما يتبقى منه لإطعام شعوب العالم الفقيرة كلها!
الطريف أننى متأكد لو كان بيل جيتس قد التهم الوجبة كلها داخل المطعم لخرجت الانتقادات تهاجم بيل جيتس ذلك «المفجوع»!! (المفجوع فى القاموس هو الشره الذى غلبت عليه شهوة الطعام).