بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

فى لعبة الإرهاب..مجرمون طلقاء

ثمة إجرام مُستتر. يفلت صانعوه من العقاب، يسكنون بلا حساب، يتوارون فى هوامش الكتب ناعسين كأنهم لم يقولوا ولم يفعلوا.

ذكرنى المبدع الجميل إبراهيم عيسى، فى روايته الأحدث «رصاصة فى الرأس» والتى تستحق عرضا مُفصلا خاصا بها، بمحمد عثمان إسماعيل، صانع الجماعات الإرهابية المُسلحة، وفاتح الطريق ومُمهده لها، ومهندس تمكينها من الشعب المصرى فى السبعينيات، تحت لافتات كاذبة مثل الصحوة، وأسلمة المُجتمع، والعودة لدين الله.

كيف أفلت هذا الرجل بجريمته؟ ولمَ لم يُسئل ولم يُحاكم؟ وهل تعرف الأجيال الموجوعة بتشويه مصر مجتمعا وفكرا ودينا اسم هذا الشخص الانتهازى الذى غرس قبل نصف قرن ألغاما مازلنا نتعثر فيها إلى اليوم؟

كان محمد عثمان إسماعيل رجلا غامضا، لا تاريخ له سوى شكوك متناثرة تشير إلى انتمائه للإخوان المسلمين، ولد فى إحدى قرى أسيوط عام 1930، وكان والده عمدة، ولم يلفت النظر بنبوغ أو علم، وتخرج فيما بعد فى كلية الحقوق. لا نعرف يقينا كيف أمكن لهذا الرجل الخاوى من الفكر أو المهارات الصعود فى الاتحاد الاشتراكى ليصبح أمينا له فى نهاية الستينيات، لكننا ندرك أن عصبية عائلته مكنته من اقتناص مقعد فى البرلمان. كذلك فإن براجماتية السادات دفعته إلى البحث عن رجال جدد لتدعيمه فى صراعاته مع مراكز القوى الوريثة لعبد الناصر.

اقترب «إسماعيل» من السادات، الذى عينه محافظا لأسوان، ثم بنى سويف، ثم أسيوط، وقدم له فكرة جهنمية للسيطرة على الشارع خارج إطار التنظيم التقليدى القائم وقتها، وهو الاتحاد الاشتراكى. كانت الفكرة ببساطة هى فكرة إخوانية بحتة تتمثل فى صناعة ميليشيات غير رسمية تسيطر على الشارع تحت لافتة «الناس بتوع ربنا» سيأكلون كل صاحب صوت فى كل مكان: الجامعات، المساجد، والشوارع.

وبالفعل عقد السادات الصفقة، وطلب من الرجل الذى صار مستشارا له إنشاء جماعات إسلامية، ودعمها، وفتح الأبواب لها، وتمكينها لتصبح حائط دفاع للنظام ضد الناصريين وقوى اليسار.

وربما يستغرب الباحث اليوم كيف أغمضت عيون الأمن عمدا، وكيف منعوا من الاقتراب من دائرة النفط المتسعة يوما بعد يوم، ثُم كيف مولت وسلحت الحكومة جماعات الدم بالجنازير والأسلحة البيضاء، وتركتها تُبشر وتدعو وتجتذب المئات ثم الآلاف، ثم عشرات الآلاف لتتغير بُنية المجتمع فى سنوات قليلة. فالصحوة قادمة ودولة الإسلام ستُنهى زمن الجاهلية، وكل عاص سيتأدب، وكل آخر سيدفع الثمن.

ولم يكن غريبا أن يسارع عمر التلمسانى مرشد الإخوان للدخول فى الصفقة، ليحصل لجماعته على بعض الكعكة. وكان التطور الطبيعى لذلك هو أن تخرج الجماعات عن نطاق السيطرة، وأن يصبح صرف العفريت الذى تم تحضيره أمرا مستحيلا.

ونعرف جميعنا ما جرى. لقد دفع السادات نفسه ثمن تحضير العفريت، ورحل فى مشهد مأساوى حزين يوجع القلب، وتاهت الخُطى بعشرات الآلاف من الشباب الذين ضلوا وأضلوا، وسفحت شلالات من الدماء، وقضت مصر عقودا من الترويع والخوف والطوارئ، وتحملت أجيال تالية أعباء اقتصادية واجتماعية قاصمة نتيجة مسلسل الإرهاب المستمر. لكن أحدا لم يسأل الرجل الغامض الذى حضر العفريت.

وكم من مجرمين أفلتوا من العقاب فى تاريخ المحروسة!

والله أعلم.

‏[email protected]