بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

نحتاج إلى كبسولة نيتروجين!

هذا العام، كانت أيامه ثقيلة الأنفاس على صدورنا، حبلى بكثير من أحداث الموت والأحزان، كثيرون فارقونا، أقارب، أصدقاء، زملاء، وقد انتصر عليهم فيروس كورونا الجبار، وكثيرون ماتوا فجأة وبلا مقدمات، بجانب دراما الموت، تكأكأت أى تزاحمت علينا الآثار الاقتصادية السلبية لهذا الفيروس، من إفلاس مؤسسات وتدهور أوضاع شركات ومشروعات عمل، فازدادت رقعة الفقر والبطالة، وبين كل هذه البلاءات الحياتية المجتمعية، أطل علينا حدثان فريدان، ليمنحا المصريين طاقة إيجابية من النور والفرحة، حتى إن لم يكن لهما تماس مباشر مع أوضاعنا، ولكنهما على الأقل غيرا من الحالة المزاجية لغالبية الشعب، وجعله يشارك العالم كله فى هذا الشعور بالانبهار، بل وبالفخر كونه مصرياً.

وأعنى بالحدثين اللذين جذبا أنظار العالم، الأول فى 3 أبريل، والمتمثل فى موكب المومياوات، والذى تم خلاله نقل 22 مومياء ملكية من الفراعنة حكام مصر الأوائل من المتحف المصرى، إلى المتحف القومى للحضارة المصرية فى حى الفسطاط، والحدث الثانى هو ما شهدناه الخميس الماضى من افتتاح طريق الكباش الرابط بين معبدَى الكرنك والأقصر، تنفيذ الحدثين الفريدين، وما رافقهما من استعدادات هائلة، أمنية، ثقافية، فنية، وهذه المهرجانات البديعة، وتصميم الديكورات، وملابس المشاركين فى تقديم العروض، وكل هذه التفاصيل الكثيرة والدقيقة والهامة، جعلتنا نقف جميعا أمامها ومعنا العالم مبهورى الأنفاس، نصفق حتى ونحن فى بيوتنا من خلف شاشات التلفاز.

ما هذه الروعة فى الاستعداد والتقديم والعرض، والذى تزينت به أرض مصر وسماؤها، أهراماتها ومتاحفها، ويعجز عنه محاكاته أعظم دول العالم، لقد اثبت المصريون ممن قاموا على هذين العملين الكبيرين، أثبتوا للمجتمع الدولى أن مصر قادرة أن تبدع، تبتكر، تبهر العالم الحديث اعتماداً على القديم، العقول والأيادى التى تضافرت وتكاتفت لتنفيذ نقل المومياوات داخل كبسولات النيتروجين، وافتتاح طريق الأكباش ننحنى لهم جميعاً تحية واحتراماً، وفى نفس الوقت يقفز لدىَّ شعور بالغيرة والمقارنة بين ما شهدناه فى الحدثين، وبين مئات الأحداث والمجالات فى بلدنا الحبيب، التى نعانى فيها غالبا من الفشل والإحباط وسوء العمل والأداء والإدارة، سواء فى مصالح حكومية، أو قطاعات الأعمال والخدمات، وأقول ألا ليت كل العقول والأيادى المصرية تتكاتف هكذا فى كافة مجالات العمل، لتعطى وتتقن وتبدع وتفن وتثقف، وتخدم المواطن، وتيسر عليه وتسعده، وتجعله يشعر بالارتياح والفخر دوما والانبهار.

يا ساده من أسعدونا وأبهرونا بالحدثين السياحيين الأثريين عقول وأيادى مصريه، وهى عقول وأياد قادرة على العطاء، نحن المصريين لدينا إرادة تهزم صلابة الحديد، وعقول تناطح قوة الذرة، إذا أردنا النجاح، نجحنا، وإذا أردنا الإتقان، أتقنا، وإذا أردنا التقدم والنهوض فعلنا وحققنا، ونافسنا كل شعوب العالم، ولكن للأسف الصورة الغالبة الآن فى معظم قطاعات الحياة والخدمات وإدارة الأعمال هى أسلوب الفوضى، والجزر المنعزلة، النهب والسلب، الغش والخداع، التقاعس والتكاسل، البيروقراطية والتعطيل، التخريب والتدمير، والتنافس غير الشريف، ونشر الفشل والإحباط، وكل هذا يحدث ليس بمرسوم علوى، ولكن باجتهادات شخصية مستمدة من أتون فساد تربع عقوداً على عرش مصر، ولم تجتث جذوره بعد.

إننا يا سادة نحتاج إلى كبسولات نيتروجين مثل تلك التى حافظت على حالة المومياوات أثناء نقلها، نحتاج إلى مثل هذه الكبسولات معنوياً، لتنقل صلاحيتنا الأخلاقية والدينية التى كانت من الماضى إلى المستقبل، نحتاج إلى نفس معايير الأمان والسلامة والدقة والإتقان، التى جددا بها طريق الأكباش ومن قبلها تم نقل أجدادنا الفراعنة بها من مكان قديم إلى آخر أحدث، نحتاج إلى نفس وحدات التعقيم التى عقموا بها عربات نقل الفراعنة ولكن لتعقيم الضمائر، نحتاج إلى تلك الأضواء الكاشفة المبهرة التى أنارت رموز التاريخ والحضارة القديمة، لتطارد طيور الظلام، وتحارب كل ما صار بداخلنا من إظلام، نحتاج إلى مهرجان دائم مماثل، يخلخل حالة الحزن واليأس المستشرى بيننا، نحتاج إلى صوت طلقات المدافع التى انطلقت ابتهاجا، لتوقظ ضمائرنا، وتزف إلينا البشرى بأن القادم أفضل مما نحن فيه.

تناقلت كل وسائل إعلام العالم حدث موكب المومياوات وافتتاح طريق الأكباش، وحلق اسم مصر عالياً، فما أحوجنا أن يرتفع اسم مصر عالياً فى التقدم، التنمية، الاقتصاد، التقنية، وقبل كل هذا الأخلاق، أن نصل كشعب يحيا إلى مستوى الرفاهية التى شهدتها المومياوات والأكباش!.

[email protected]