بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

على فكرة

ليست معركة بين الجنسين

النقاش الدائر الآن فى مجلس النواب وخارجه،حول وضع تشريعات تحد من ظاهرة تعدد الزوجات، يتزامن مع الاحتفال باليوم الدولى للقضاء على العنف ضد المرأة فى 25 من نوفمبر الجارى، والوشائج التى تربط بين الحدثين وطيدة. ومخطئ أى حديث لا يعترف أن التعدد ظاهرة سلبية، وهو عنف يؤثر على صحة المرأة النفسية والجسدية، ويفقدها الثقة بالنفس، والقدرة على تربية صحية لأبنائها. وهو الوجه الآخر لظاهرة تفاقم معدلات الطلاق، تلك التى رصدها الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء بوقوع حالة طلاق كل دقيقتين، وحين نسعى لتفسير أسباب تلك الظاهرة بالعنف اللفظى والجسدى الذى يمارس على الزوجات، لا ندرج التعدد كسبب حتمى لذلك العنف.

فى بداية القرن الماضى، أفتى الشيخ «محمد عبده» مفتى الديار المصرية «بأن تعدد الزوجات، محرم قطعا، عند الخوف من عدم العدل، وأن إباحة تعدد الزوجات فى الإسلام، أمر مضيق فيه أشد التضييق، لأن تحقيق شرط العدل مفقود حتما، كما أفتى الشيخ عبده كذلك بأنه «يجوز للحاكم، رعاية للمصلحة العامة، أن يمنع تعدد الزوجات، بشرط أو بدون شروط حسب ما يراه موافقا لمصلحة الأمة».

وها نحن على أبواب عصر جديد، نعيد النقاش فى نفس القضية، ونتمسك من الشرع بما يذل المرأة ويخضعها. وما قاله استاذ جامعى، أنه لا يحق ولا يجوز للمراة طلب الطلاق لو تزوج زوجها بأخرى، لأن جزاءها جهنم، بل تطلبه إذا كان يضربها، ولا ينفق عليها، سوى نموذج واحد من تلك التأويلات، التى تحصر العلاقة الزوجية فى قدرة الرجل على الإنفاق، وتحصر الضرر فى الاعتداء البدنى، بل هى تقر به.

وإذا كانت الأسرة الدولية فى هيئة الأمم المتحدة، قد أجمعت على أن العنف ضد النساء، يشمل أى اعتداء ضد المرأة على أساس الجنس ويتسبب فى إحداث إيذاء أو ألم جسدى أو نفسى لها، أو التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفى من الحريات، سواء كان ذلك فى الحياة العامة أو الخاصة، فلا جدال أن الزواج بأخرى، هو عنف ضد المرأة وعلى ابنائها، ووضع تشريعات لتقييد هذا الحق بإلزام موثقى الزواج، والزوج، بالإقرار فى وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية، واسماء الزوجة أو الزوجات اللاتى فى عصمته، وعناوين إقامتهن، لكى يمكن إخطارهن بالزواج الجديد، خطوة تيسر على المرأة الاختيار بين الاستمرار فى الزواج، أو طلب الطلاق، للحفاظ على حقوقها وحقوق أبنائها.

وتلك قضية اجتماعية، تمس سلامة الصحة النفسية لأبناء المجتمع، ولكل فئاته، وليست صراعا بين الرجال والنساء. والتشريع سوف يلعب دورا دون شك فى الحد من تلك الظاهرة،التى تمس السلم الاجتماعى فى الصميم، وتحول دون إحراز أى تقدم فى قضيتى الحد من الزيادة السكانية، وتسرب الأطفال من التعليم.

لكن التشريع لا يكفى وحده هنا بدون تطوير لقضية الوعى، التى تنهض بها المنظومة الثقافية والتعليمية والإعلامية. ولاتزال تلك المنظومة تروج لقيم مجتمع استهلاكى غير منتج، ينهكه هوس التملك وعبادة الثروة، وهى قيم تحط فى معظمها من قيمة المرأة، حين تفرق بينها وبين الولد فى بيئات مختلفة، وحين تجعلها رمزا للغواية والخطيئة، وتختزل قيمة الشرف فى جسدها، وتقوم بدور المسوق الرئيسى لمنتجاته المرفهة، التى قد تعجز هى وملايين غيرها عن اقتنائها. ولا تنفصل قضية تطوير الوعى،عن مسألة تجديد الفكر الدينى، لكى تجرى التفرقة بين ما جاء به النص المقدس، وبين ما جاء من أجله، فكل الأديان جاءت لإسعاد البشر وتحقيق العدل والمساواة بينهم، وليس لاضطهاد النساء!