بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

مات منذ أزمنة «1»!

عندما يموت إنسان ما فى شقته وحيدا، كفيفا، لم يزره أحد منذ أعوام، ولم يهاتفه أحد، ويكتشف جيرانه وفاته لأنهم منذ أيام لم يسمعوا صوت باب شقته يفتح لأخذ أرغفة الخبز أو ما طلبه من البقال، حيث لا يغادر شقته بسبب بصره المفقود، فشعروا بالقلق، وعندها يكتشفون وفاته داخل شقته، ودون الدخول فى تفاصيل كيفية فتحهم لباب شقته، على الأقل « كتر خيرهم» انهم قلقوا لغيابه عن المشهد المحدود البائس داخل كادر الوحدة، وانهم اكتشفوا جثته قبل أن تتعفن، «كتر خيرهم» انهم بذلوا اتصالات عسى أن يصلوا إلى أقارب أو أصدقاء أو أى معارف له، لإكرام دفنه.

عندما يموت إنسان على هذا الوضع، علينا أن نعرف انه مات منذ أزمنه، مات من الجحود والنكران والتخلى، مات من أنانية البشر، وانصرافهم عنه، بل أقول قتلوه نفيا وعزلة، لأنه لم يعد مجديا لهم، لم يعد بوسعه العطاء وتقديم خدمات لهم، فشطبوا كل سجله لديهم من الحب والعطاء والصداقة، فمات نفسا وروحا وشعورا، واصبح يوم صعود روحه للخالق، ليس هو يوم موته الحقيقى، فبعد أن كان صحفيا نشطا، يصول ويجول فى بلاط صاحبة الجلالة أيًا كان حجمه الصحفى، يخدم هذا، ويجرى على مشكلة هذا، ويساعد هذا بقلمه وعلاقاته، اصبح وحيدا منبوذا منسياـ نعم انه مات منذ أزمنة عندما انشغل عنه الأصدقاء والزملاء كل إلى شأنه، فلم يعد يزوره احد، ولا يهاتفه احد، ولا حتى من منطلق الشفقة والرحمة، باستنثاء زميلة محترمة تدعى إيمان إمبابى، زاملته العمل فى فترة ما بنفس الصحيفة.

تداولت الأخبار ومواقع «سوشيال ميديا» خبر وفاة الزميل الصحفى على إبراهيم، وللأسف جاء نبأ موته بهذه الصورة اللاإنسانية المؤلمة وحيدا كفيفا، يرفض زملاؤه إكرام جثمانه بدفنه فى مقبرة احدهم، وكأنه سيزاحم موتاهم فى تلك الحفرة حتى موعد الآخرة، للأسف جاءت مأساة الزميل الصحفى الموجعة مواكبة لتلك الجريمة البشعة التى ارتكبها المدمن عبد الرحمن دبور، بذبح من كان صديقا له، وفصل رأسه والتجول بالرأس فى شوارع الإسماعيلية، فغطى خبر سفاح الإسماعيلية الدموى، على خبر سفاحي الإنسانية، الذين تركوا زميلا لهم مسنا، وحيدا مريضا، لا يرى من الحياة إلا ظلامها وظلمها، دون أن يتحرك قلب احدهم، فيسأل عنه، يزوره، يواسيه، يقدم له أيًا مما يحتاجه.

وتساءلت، هل تفرق جريمة سفاح الإسماعيلية كثيرا عن الجريمة الإنسانية التى ارتكبت فى حق الزميل على إبراهيم إلا فى مشهد الدماء، ألم يقف جمهور الإسماعيلية يراقب ويصور القاتل وهو ينفذ جريمته الشنعاء، وكأنهم يسجلون مشهدًا لفيلم سينمائى، وكأن ما يسيل أمامهم ليس دماء إنسان، بل مجرد لون سائل مثير لشهوتهم فى الفرجة والحكى، وكذلك وقف الأصدقاء والزملاء والمعارف متفرجين عن بعد على الزميل على إبراهيم، وقد تكالبت عليه أسباب القتل الإنسانى من وحدة وفقر ومرض وظلام، ثم أكملوا جريمتهم فى حقه برفض دفنه فى أى من المقابر التى يمتلكونها، إلى أن تطوع احد جيرانه بإكرام جثمان الزميل ودفنه فى مقبرة تخص الجار.

إلى أى منحنى خطير تجنح الإنسانية والنخوة والشهامة فى مصر أم الدنيا، والتى كان كل العالم يتغنى بطيبة أهلها ونخوتهم وجدعنتهم، ماذا جرى لنا، لقلوبنا، لإنسانيتنا، نعم الموت علينا حق، ولكن هل علينا أن يقتل بعضنا البعض نفسيا بالقسوة والجحود والنكران والتخلى، ونترك من نعرفهم يموتون فى وحدة ومرض، لتموت مشاعرنا نحن أيضا وتصبح قلوبنا غُلفًا لا رحمة بها ولا شفقة، ماذا لو تبادل جموع الزملاء زيارة على إبراهيم، ماذا لو ساعده البعض فى الخروج للهواء الطلق وتنسم أنفاس الحياة بعيدا عن منفاه الإجبارى بين الجدران، ماذا لو تواصلوا معه هاتفيا مع توزيع الأدوار والأيام فيما بينهم، ليملأوا حياته حبا واهتماما، هل يعقل أن يموت زميل، وليس على هاتفه إلا اتصالين فقط منذ أزمنة؟.

وإذا كان زميلنا ايمن عبد المجيد رئيس لجنتى التشريعات الصحفية، والرعاية الاجتماعية، قد اقترح على مجلس النقابة شراء مقبرة لدفن من ليس لديهم مقبرة أو عائلة، فأضم صوتى لصوته لسرعة تنفيذ هذا المطلب الإنسانى، و.. للحديث بقية.

[email protected]