خارج السطر
كيف نقاوم الزمن؟
يقول صديقى الجميل الجميل محمود درويش «سنكون يوماً ما نريد.. لا الرحلة ابتدات ولا الدرب انتهى».
ما أعذب البدايات، وما ألذها فى لحظات التذكر مهما كانت هذه البدايات عويصة. وجوه كثيرة غادرت، وأخرى تغيرت ملامحها، ونفوس تبدلت، وشخوص صعدت، وقامات همدت.
ألمح أثر السنين فى عيون الآخرين، وهُم يمنحونى كلمات توقير تفى بشخص تجاوز منتصف عمره. هل يُحزننى ذلك؟ كنت أضيق فى البداية بمَن ينادينى بحاج وهو لا يعرفنى، وبدا غريبا أن أرى قامات تفوقنى طولا يُنادوننى بـ«عمو».
لم أعد الولد الصغير الطامح الهاتف فيمن حوله «افسحوا الطريق.. إننا قادمون»، ولم أعد الشاب المتحمس لتغيير الكون من حولى. صرت متأملا، متفكرا، مستوعبا للزمن وتقلباته، راضيا بأن أزرع فسيلة خير ولو واحدة.
يندهش أبى الروحى محمود أباظة رئيس الوفد السابق والمعلم السياسى العظيم عندما يسألنى قبل أيام عن عمرى وأجيبه، ويقول لى مستغربا «كيف مرت هذه السنون؟ لقد كنت طالبا قبل بضعة أيام.»
بدت الصحة أكثر اعتلالا، وصار الجسد أوهن، وأصبح جدول الأدوية اليومية محفوظا، وصرت أكثر تمييزا فى قراءاتى، فلم أعد أقرأ كل شىء كما كنت أفعل، ولم أعد أكتب أى شىء، كما كان ينبغى على فى بعض الأحيان أن أفعل.
صار الوقت بالنسبة لى ثروتى الوحيدة، لن أبددها إلا فى نفع: كلمة طيبة، تفسير ما، جمال لُغوى، سحر إبداعى، كشف جديد، وسعى دائم لكل ما هو يفيد الإنسان ولو بعد حين.
أتصور أن الإنسان ينظر إلى الغد وهو صبى يافع، ثم تستمر هذه النظرة معه حتى يتزوج وينجب، ويظل ينظر لأبنائه وهم يكبرون أمامه ليطاولوه، وتخفت رويدا نظرة المستقبل مع تقدم العمر، ثم تتحول النظرة الدائمة لديه إلى الأمس مستذكرة ومعتبرة ومفتخرة حينا أو نادمة حينا آخر.
تقول لى زوجتى «لا شىء يساوى زمن فائت» وأتذكر موضوعا صحفيا قرأته فى إحدى أعداد مجلة «الاثنين» فى الأربعينيات يقدم حوارا مع الثرى الكبير محمد فرغلى (وهو أحد الرأسماليين الكبار قبل ثورة يوليو) يقول فيه « مَن يأخذ منى مليون جنيه ويعيدنى إلى أيام الشباب؟. بل مَن يأخذ نصف ثروتى ويُعيدنى لعشرة سنوات سابقات؟ بل مَن يأخذ ثروتى كلها ويُعيدنى عاما واحدا مضى؟»
تعلمت أن أقاوم.أتصور دون افتعال أن مقاومة الزمن ضرورة. عش يومك هاشا باشا، مستبشرا، ومتفائلا، وكرر فى داخلك: أن الأجمل لم يأت بعد. لا تستكن لآلام الركبة والظهر، ولا تخجل أن تمارس الرياضة بعد أن قضيت عمرك هامدا متكاسلا. افعل ما لم تفعل، وقابل من تحب، واذهب إلى حيث تمنيت. لا تنشغل بتوافه المعارك، ولا تدخل نقاشا مع متعصبين، ولا تغضب من جاهل أو حقود. ادعُ لهم بالشفاء.
لا تنشغل بالرزق وتدابيره، فمن رزقك من قبل سيرزقك حتى أجلك، لكن اسع، واجتهد واعمل ما تستطع.
لا تتصور أن التحقق قاصرا على عمر بعينه، فصديقنا هارلند ساندرز الذى نرى صورته فى كل مدينة فى العالم، لم ينجح إلا بعد تجاوز عمره الستين عاما، عندما حقق مشروع حياته «كنتاكي» نجاحا كبيرا وكان قد خرج إلى التقاعد.
تعلم ثم تعلم ثم تعلم، فلا حدود للمعارف،ولا نهايات للعلم، جرب ما كان صعبا، وعُد تلميذا فى الخمسين والستين والسبعين. لقد كان صديقى المثقف الدؤوب محمود عوضين نموذجا فذا لاستشراف العلم دون أى اعتبار للسن، فسجل رسالته للدكتوراه وهو على مشارف الثمانين.
والله أعلم.