بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اوراق مسافرة

جرس بلا فسحة «الأخيرة»

اذا كان لديك قطعة من الصلصال اللين، تشكلها كيفما شئت، وبمرور الوقت تجف القطعة بالشكل الذى صنعتها عليه، وعندما تحاول تعديلها لصورة تحبها اكثر، ستتفتت بين أصابعك، ولن تتشكل من جديد، ولن تعد تنفعك فى شيء، وستقف أمامها حائرا عاجزا، لا تلوم إلا نفسك، وتقول: ليتنى شكلتها بصورة جميلة احب أن أراها فيها منذ البداية، عندها لن ينفع ندم، وسيكون أمامك حل من اثنين، إما تتخلى عنها تماما، حتى لا ترى نتيجة صنع يديك السيئة، وإما تبذل جهدا غير مضمون النتائج لضبطها وتعديلها، ولكنها لن تكون أبدا فى الصورة التى تريدها، ستكون دوما مشوهة، وغير مرضية لك.

قطعة الصلصل هى أبناؤنا، فلذات أكبادنا، الطفل الصغير، هو محصلة سلوكنا وتصرفاتنا وتعاملاتنا معه، خاصة فى مرحلة ما قبل المدرسة، الأب والأم هم المصدر الوحيد لتربيته، تهذيبه، زرع السلوكيات فيه، لو أعددته بصورة جيدة مفعمة بالحب والرعاية والتفاهم، ستربى طفلا سويا، سلوكه سليم وغير معوج، طفل طبيعى بما له وما عليه، نافع لنفسه ولمجتمعه، فصعب أن يتلف زرعك وقد رعيته ورويته جيدا، حتى لو ابتلاك الله فيه حينا ليختبر صبرك وإيمانك، مؤكد ستحصد فى النهاية حصادا طيبا ومرضيا لك ولكل تعبك وعطائك.

لا جدال أن البيت هو المؤسسة التربوية الأولى للطفل، والمدرسة هى المؤسسة الثانية، واذا ما سلمنا مؤسسة التعليم طفلا طبيعيا، سويا، مؤكد لن يكون هذا الطفل مشاكسا أو مشاغبا، أو متنمرا، أو محبا للفت النظر السلبى إليه لجذب اهتمام من حوله، بسلوك سيئ عدوانى أو بفشله الدراسى، إنها نظرية علمية، وأيضا اجتماعية، جوهرها أن النتائج محصلة للمعطيات، فلا تتوقع أن تربى طفلا على الضرب والإهانة والتعنيف والعقاب والإهمال، وينشأ الطفل على النقيض من كل هذا، بل سيكون معجونا بهم، وبكل السلوكيات السيئة والخاطئة، إنها قطعة الصلصال التى تشكلها، وعليك أن تتحمل نتيجة تشكيلها.

وعندما تسلم طفلك لمؤسسة التعليم، فنحن أمام امرين، إما أن تحافظ هذه المؤسسة الثانية على التشكيل الإيجابى الجيد للطفل، والذى تأسس فى البيت، وإما تتلفه وتفسده، بأسلوبها التربوى والتعليمى المتدنى، وللأسف ما يحدث فى اغلب مؤسسات التعليم لدينا بشع جدا، بدءًا من أبنية المدارس، الفصول، أسلوب التعليم، مستويات المعلمين، حتى المناهج، ورغم تقلب العديد من وزراء التعليم فى المسئولية، إلا أن التعليم لا يزال فى مربع سيئ، لا يحدث به أى تطور أو تقدم حقيقى، اللهم إلا بعض القشور البراقة، البعيدة عن تحسين جوهر المنظومة ككل، فى الأسلوب والأداء والآليات.

وبالعقل اذا أردت أن تهدم أمة، فاهدم مؤسسات التعليم بها، فالتعليم شعلة انطلاق الشعوب للأمام، ووقود القوة للفرد والمجتمع كافة، وقاطرة التقدم والحضارة.

التعليم يحقق اهم مبدأ إنسانى فى الحياة، وهو المساواة، فتوافر فرص التعليم الجيد للجميع، سيقضى على الطبقيّة الاجتماعيّة، ويحقق الأمان المجتمعى، ويفتح المجالات المتساوية لفرص العمل أمام المواطنين، ويحول المجتمع إلى بيئة حضارية، التعليم حصن الوطن، والدرع الواقى من التطرف والإرهاب واللاانتماء، التعليم الواعى الجيد، يزرع قيم المواطنة، ويرتقى بالمجتمعات، يزيد الوعى المجتمعى، التعليم هو سلاح الأقوى فى مواجهة الفقر والتخلف خاصة فى الدول النامية، ولا جدال أن المجتمعات المتعلمة تنخفض بها معدلات الجريمة والظلم والاستغلال.

ودعونى أركز هنا على التعليم التربوى، أى التعليم المدعوم بالقيم الأخلاقية، وليس مجرد تعليم التلقين وحشو الدماغ، أن يكون المعلم فى المدرسة أو الأستاذ بالجامعة تربويا أيضا، أى يقوم باستكمال دور مؤسسة البيت فى تقويم سلوك التلاميذ والطلاب، ودمج الدرس بالقيم الأخلاقية، وان يكون هو نفسه قدوة صالحة للدارسين، فما جدوى اعلى شهادة دراسية، لطبيب أو مهندس أو حتى عالم، وهو فاقد للقيم الأخلاقية، كيف سيقدم علمه للمجتمع دون ركيزة أخلاقية وقيم محترمة، بل العكس ما سيقدمه سيكون وبالا على المجتمع، وليس خيرا أبدا، وللأسف تضج مجتمعاتنا بأصحاب شهادات عليا ومهن راقية وهامة، ولكن بلا أخلاق، لأنهم فسدة، التعليم التربوى يحمى المجتمع من العواقب والآثار السلبية التى صرنا نعانى منها جميعا فى وطننا الحبيب.

لذا أيها الآباء والأمهات، أيها المعلمون، يا وزير التعليم ووزير التعليم العالى، هذه الأجيال أمانة فى أعناقكم، إما أن تجعلوهم قاطرة أمان وسلام لأنفسهم وللوطن، وإما قاطرة دمار وانهيار، وستسألون، وسيكون الحساب عسيرا، دنيا وآخرة، وسندفع جميعا المزيد من الثمن.

[email protected]