خارج السطر
الذين يعبدون المرويات
أغار على دينى من حناجر زاعقة تطاردنا ليل نهار ككفار، تزعم أن أصحابها مسئولون عن صيانة الدين من شطحات المبدلين، وحماقات المثقفين، وتُكرس للجمود، ومخاصمة العقل والمنطق.
يظُن البعض أن المرويات الواردة فى كتب التراث لا تقبل تفكيرا أو تدبرا أو تحليلا، وأن نقدها وتحليلها ورفضها يُمثل عدوانا على دين الله، وخروجا من دائرة الإيمان. ورغم أن كثيرا من المرويات المقدمة لنا هى نتاج فعل بشرى اسمه «العنعنة»، يفيد الظن العلمي، مادام منقولا من شخص لشخص(أحاديث آحاد)، فإن مَن يسمون أنفسهم بأهل الحديث يرفضون أى مناقشة أو تشكيك أو عدم رضا عن مروية منسوبة للنبى رغم مخالفتها للمنطق البسيط.
وقبل أيام كرر عالم دين شاب رواية رائجة وردت فى كتاب البخارى تفيد بأن النبى عليه السلام، توفى فى المدينة ودرعه مرهونة لدى شخص يهودي، وناقشته فى الحكاية، وقلت له إنها لا تصح مهما كان سند الرواة، ومهما كان حكم علماء الحديث على رواتها، لأنها تتناقض مع المنطق البسيط. فعندما توفى الرسول سنة 10 هجرية، لم يكن هناك فى شبه جزيرة العرب أى يهودي، فما بالكم بالمدينة المنورة. لقد تم إجلاؤهم جميعا قبل هذا التاريخ. كذلك، فإن اليهود لم يكونوا يرهنون أى شىء دون ربا، والإسلام حرم الربا تحريما صريحا باتا، ونهائيا. والأهم من ذلك، فإن النبي( ص) رحل ولديه أصول وأموال وممتلكات، ولم يكن فى حاجة لرهن درع له عند يهودي. فضلا عن ذلك، فقد كان هناك تجار شديدو الثراء من المسلمين مثل عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وغيرهما، ولو كان النبى فى حاجة ماسة للاقتراض، فلم لم يقترض من هؤلاء وتركهم وذهب ليقترض من شخص يهودي.
والحقيقة، فإن العالم الشاب تقبل رأيى بصدر رحب، وقال إنه سيراجع الرواية، لكن أحد الغيورين على علم الحديث تدخل فى النقاش، وسألنى باستنكار كيف تعترض على حديث ورد فى البخاري؟ من أنت أيها المثقف العلمانى لتنكر رواية رهن درع النبى لدى يهودي، وقد أقرها إمام الحديث الأعظم؟ ثم صال الغاضب همزا ولمزا وجال مُرددا لعنات وويلات لمن ينكرون السنة، وكأننى شككت فى عقيدة من عقائد الإسلام، أو أحللت حراما، أو روجت منكرا.
ابتسمت وقلت له «لقد ولد الإمام البخارى عليه رحمة الله بعد مئة وثمانين عامًا من وفاة النبي، ومهما كان حرصه، ومهما كانت دقته فى جمع الأحاديث، فإن الخطأ وارد، ولا يقين فى أحاديثه، مهما قال القائلون بأنها كذلك، فلا يقينى إلا القرآن الكريم».
ولا يمكن أن نقدس البخاري، ونصادر على أفكار الناس ومحاولات تدبرهم بالعبارة الإقصائية «أنه أصح كتاب بعد كتاب الله». لقد كان أكثر ما ينكره القرآن على الخطاب الرافض لأى نبى يدعو قومه للهدى هو قولهم « وجدنا آباءنا لها عابدين» فهم لم يفكروا، ولم يتدبروا، ولم يناقشوا، وإنما ابتلعوا ميراث السلف كما هو.
وعدت لأكرر إن الحديث المذكور لا يضيف شيئا للإسلام، ولا يحض على خير، وإنما يثير من الشبهات واللغط أكثر مما يضيف من منافع، لكن آفة الإسلام كما قال المفكر الصديق عبد الجواد ياسين أن نعبد هذه المرويات، ونقدمها للأجيال القادمة باعتبارها دينا.
وحسبى أن أردد مع المصلح العظيم الإمام محمد عبده، رحمه الله ونفعنا بعلومه إلى يوم نلقاه، بيت شعر جميل ذكره فى مرض وفاته يقول: «ولكنه دينٌ أردت صلاحه.. أحاذر أن تقضى عليه العمائم».
والله أعلم.