أنا عجوز وهو شاب
تحدثت فى المقال السابق عن أجدادنا وكيف افتقدنا وصاياهم ونصائحهم وكيف كانوا يعلمون آباءنا وينقلون لهم خبراتهم بقصص فلكورية بسيطة جذابة، ووجدت ثناءً مصحوباً ببعض الانتقاد لشباب هذا الجيل وكيف أصبحوا يقلدون الغرب فى كل شىء إلا العلم.
توقفت كثيراً أمام تلك الانتقادات وزاد فكرى حتى هويت مغلقاً عينى لأجد نفسى أمام أحد هؤلاء الشباب ليوجه لى سؤالاً: يا سيدى من سمح أن يتصدر نجوم العنف والبلطجة المشهد ويصبحون قدوة لنا، ومن سمح بأن يكون نجوم الكرة قدوة لنا، ومن سمح لنا بأن نذهب إلى الدروس الخصوصية لنعتمد عليها، ومن جعل أرباب الأسر مضغوطين ومطحونين فى الحياة ونرى آباءنا يعملون فى أكثر من وظيفة خلال اليوم الواحد؟، ثم استطرد قائلا: يا سيدى اليوم أجد المهندس والطبيب والمدرس وغيرهم وليس أغلبهم وقد طغت المادة فوق الرسالة، فتجد الأبراج وقد قتلت معالم مدينتنا والبعض منها يتساقط ليهوى بسكانها الأبرياء، وتجد العيادات الخاصة وقد أصبحت شبه مستشفى خاص تدخله لتسحب كل ما لديك من ادخار لو كان لديك وليس هناك قانون يضع سعرا موحدا للعيادات، فكل طبيب منهم وله تسعيرته الخاصة، أما المعلم وهو رأس الزاوية فتجده مسرعاً إلى السنتر فالحصة للطالب الواحد تتعدى الـ50 جنيها ولو كان لديه 50 طالباً لأصبح دخله فى الحصة الواحد يتعدى 2000 جنيه بعد خصم نسبة السنتر، بينما عندما أرادت وزارة التربية والتعليم مدرسين وضعت لهم حدا للحصة وهو 20 جنيها للحصة للفصل كله أى أن دخل المدرس فى المدارس الحكومية لن يتعدى الـ2000 جنيه شهرياً، فقل لى أين سيذهب المدرس؟ وهناك كارثة كبرى واسمها المحليات وتتذكر مقولة أصبحت قديمة نوعاً ما! وهى «الفساد للركب» قالها أحد أعمدة نظام مبارك وأقولها لك يا سيدى فهل اختفى فساد المحليات أم ظهر أكثر وطغى؟، كل الشواهد تقول إنه استفحل واستغل أصعب لحظات مصر خلال العشر سنوات الماضية ليلتهم ما بقى من ثروة حقيقية، فالتهم أغلى بقاع مصر الزراعية، فمن سمح لكل هذه المخالفات البنائية أن تظهر لولا أن الفساد تحكّم وأين من فسدوا من مسئولى المحليات مقارنة بحجم المخالفات فى كل مدينة وقرية.
ثم تحول حديثه مرة أخرى تجاه الجانب الآخر قائلا: نأتى لمن تريدهم قدوة لنا، رجال العلم والعلماء والنماذج المشرفة، وأقول لسيادتك وعندما يفوز أحدهم بجائزة أو ينجح فى بحث علمى فإنه يتصدر نشرة الأخبار ليوم واحد، بينما كل النماذج السابقة التى استطاعت أن تكوّن ثروات غير منطقية نهائياً، فإن أخبارهم تسيطر يومياً على كل نشرات الأخبار، فلو وقع أحدهم على بساط مسرح لأصبح متصدرا كل برامج التوك شو ونشرات الأخبار وإذا استطاع لاعب كرة تسديد هدف لانقلبت الدنيا تمجيداً وتخليداً لهدفه الأسطورى، كل هؤلاء لو سمعت عن أجورهم الشهرية وليس السنوية لوجدت أن البعض منهم يفوق الدخل الشهرى لألف أسرة مجتمعة لمجرد أنه نجم بلطجة أو صاحب هدف!، يا سيدى لقد سمعنا ملايين الجنيهات تتساقط فوق رؤوسهم بينما يتراجع كل العلماء وراء الستار منتظرين من يمد لهم يد العون عندما يطعنون فى السن ولا يجدون ثمن الدواء.
وفى لحظة وجدت صوته صارخاً بصوت غير مسموع ملىء بالدموع قائلا: يا سيدى أنتم خلقتم لنا تلك النماذج التى أصبحت قدوة لجيل كامل، تلك النماذج فرضت علينا وأنتم تصنعون مستقبلنا، تلك النماذج وما تفعله وتجنيه من ثروات أصبحت بالفعل قدوة لنا، كيف يمكن أن تطلب من شاب أن يكون مثله فى الحياة باحث علم لا يجد ثمن شقة يسكنها، بينما من يمثل البلطجة يستورد غذاءه من أوروبا أو عندما يريد أن يستمتع ببعض الراحة فتجده يستقل طائرته الخاصة ليسبح فى الفضاء بينما نحن ننظر إليه ثم ننظر إلى الخلف لنجد كل النماذج المشرفة تمد يدها طلبا للعون.
وفى لحظة وجدت نفسى مستيقظاً على صوت زوجتى وهى تعطينى عدة فواتير مرة واحدة للكهرباء والماء والغاز والإنترنت وهى تتعدى ألف جنيه وأنا راتبى لا يتعدى 2500 جنيه شهرياً.
وللحديث بقية