نصائح إيبو ور وشكاوى القروى الفصيح
من الأعمال الأدبية المهمة التى جاءت لنا من مصر القديمة وتؤكد على عظمة القيم الأخلاقية والضمير الإنسانى فى مصر القديمة، بردية إيبو ور، وهى واحدة من أروع الأعمال الأدبية فى مصر القديمة، المعروفة بـ «معاتبة إيبو ور» أو «حوار بين إيبو ور ورب الكل»، وهى محفوظة فى المتحف الوطنى الهولندى للآثار فى لندن، بعد أن تم شراؤها من «جيوفانى أنستاني»، القنصل السويدى فى مصر فى عام 1828. ويرجع تاريخ البردية إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ويصف هذا العمل الأدبى الفريد التحول المجتمعى فى مصر القديمة بعد نهاية عصر الدولة أو عصر بناة الأهرام. وتوضح معاناة مصر القديمة من الكوارث الطبيعية وحالة من الفوضى، والتى جعلت الأمور تنقلب رأسًا على عقب. وتصف البردية الوضع بأن الفقراء أصبحوا أغنياء وأصبح الأغنياء فقراء.
وصارت أشباح الحرب والمجاعة والموت ترفرف فى كل مكان. وترجع البردية سبب ذلك إلى ثورة مجتمعية حدثت وترك البعض حياة الخدمة مما أثر سلبًا على الحياة فى مصر القديمة فى ذلك العصر المضطرب. وذكرت البردية أحداث الثورة الاجتماعية الأولى التى حدثت بعد نهاية عصر الدولة القديمة حين انهارت السلطة المركزية وأصبح حكام الأقاليم المصرية هم سادة البلاد وانهارت السلطة المركزية واختفى وجود الملك كقوة حاكمة واحدة موحدة لشمل الأمة. وذكرت البردية أن الناس امتنعت عن دفع الضرائب وحرث الحقول وهاجموا مخازن الحكومة وكانوا يلقون بأطفالهم فى الشارع لعدم قدرتهم على اعالتهم.
ومن بين الأعمال الأدبية المميزة، التى توضح عظمة مصر ودعوتها الخالدة للتمسك بالعدل والحق وإنقاذ المظلوم مهما كانت مكانة الظالم، ما نعرفه بـ «شكاوى القروى الفصيح». وتعد «شكاوى الفلاح الفصيح» من عيون الأدب المصرى القديم. وهى قصة مصرية قديمة عن قدوم فلاح مصرى قديم يدعى «خو إن-إنبو» من منطقة وادى النطرون إلى منطقة إهناسيا فى بنى سويف مصر الوسطى. وعاش فى عصر الأسرة التاسعة أو العاشرة أو ما يعرف بالعصر الإهناسي. وقد تعرض «خو إن-إنبو» لاعتداء من قبل نبيل يدعى «رنسى بن مرو». وتبدأ القصة بتعثر الفلاح «خو إن-إنبو» وحماره فى أراضى النبيل «رنسى بن مرو»، فاتهمه المشرف على الأرض «نمتى نخت» بإتلاف الزرع الخاص بهذه الأرض، وبأن حماره أكل من زرع النبيل، فأخذ الحمار واعتدى على «خو إن-إنبو». وذهب «خو إن-إنبو» إلى النبيل «رنسى بن مرو» بالقرب من ضفة النهر فى المدينة، وأثنى عليه، وبث له شكواه، فطالبه النبيل بأن يحضر شهودًا على صحة كلامه. إلا أن «خو إن-إنبو» لم يتمكن من ذلك، غير أن النبيل أعجب بفصاحة الفلاح، وعرض الأمر على الحاكم وأخبره عن بلاغة الفلاح، فأعجب الحاكم بالخطاب، وأمره بأن يقدم عريضة مكتوبة بشكواه. وظل «خو إن-إنبو» يكتب تسع شكاوى لتسعة أيام متواصلة يتوسل لتطبيق العدالة. وبعد أن استشعر التجاهل من قبل النبيل، أهان «خو إن-إنبو» النبيل، فعوقب بالضرب. فرحل الفلاح المحبط، غير أن النبيل أرسل إليه من يأمره بالعودة، وبدل من أن يعاقبه على وقاحته، أنصفه وأمر برد الحمار للفلاح، وإعجابًا منه بفصاحته عينه مشرفًا على أراضيه بدلاً من المشرف الظالم، «نمتى نخت» وأعطاه ممتلكات المشرف الظالم «نمتى نخت».
هذه هى مصر القديمة التى علمت العالم الضمير والوعى والأخلاق والحق والعدل والخير والجمال.
---
مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية