النظام الليبرالى المترهل
مايحدث فى العالم اليوم من المرجح أن يجعل الولايات المتحدة أقوى؛ لكن من غير المرجح أن يدعم النظام الليبرالى المترهل بقيادة الولايات المتحدة. ففى الديمقراطيات الليبرالية فى جميع أنحاء العالم اعتمد الدعم العام لهذا النظام منذ فترة طويلة على ارتفاع دخول الطبقة العاملة؛ والتى كانت بدورها نتيجة لتزايد السكان وتقنيات خلق الوظائف. حيث أنتجت طفرة المواليد التى أعقبت الحرب أعداداً كبيرة من العمال والمستهلكين الشباب، ووفر لهم خط التجميع وظائف مستقرة. لكن اليوم يشيخ السكان وينكمشون فى جميع أنحاء العالم الديمقراطى، والآلات تقضى على الوظائف.
لقد انهارت الصفقة الأساسية المعتمدة على العمل الجاد ودعم النظام الليبرالى، والثقة فى أن المد الاقتصادى المتزايد سوف يرفع كل القوارب، القومية وكراهية الأجانب وملء الفراغ ليس حقيقيًا. اليوم عندما ننظر إلى المستقبل نراه أسوأ مما يدركه الكثير من الناس. على مدى السنوات الثلاثين المقبلة سيتقلص عدد السكان فى سن العمل من الحلفاء الديمقراطيين للولايات المتحدة بنسبة 12% فى المتوسط، مما يجعل النمو الاقتصادى المستدام شبه مستحيل. وفى الوقت نفسه، سيتوسع عدد السكان المسنين فى هذه البلدان بنسبة 57% فى المتوسط، وسيتضاعف متوسط إنفاقهم على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية كحصة من الناتج المحلى الإجمالى. لن تكون هذه البلدان قادرة على الاقتراض للخروج من الفوضى المالية الناتجة، لأنها تحملت بالفعل ديوناً تساوى 270% من الناتج المحلى الإجمالى فى المتوسط، قبل أن تستنزف جائحة كوفيد 19 ميزانياتها بشكل خطير. وبدلاً من ذلك سيتعين عليهم خفض استحقاقات كبار السن وخفض الإنفاق الاجتماعى للشباب ورفع الضرائب أو زيادة الهجرة، وكل ذلك سيؤدى على الأرجح إلى ردود فعل سياسية عنيفة. تطور الأتمتة المتزايد سيزيد من حدة الاضطراب الاقتصادى.
لقد أظهر التاريخ أن الثورات التكنولوجية تخلق الرخاء على المدى الطويل ولكنها تجبر بعض العمال على وظائف ذات أجور منخفضة أو البطالة على المدى القصير ؛ ويمكن أن تستمر الأجيال على المدى القصير. ففى خلال السبعين عاماً الأولى من الثورة الصناعية فى بريطانيا العظمى، من عام 1770 إلى عام 1840، ظل متوسط الأجور راكداً وانخفضت مستويات المعيشة حتى مع نمو الناتج لكل عامل بنحو 50%. استولى كبار رجال الأعمال على المكاسب من الميكنة الجماعية خلال هذا الوقت، حيث تضاعفت معدلات أرباحهم.
يتوقع العديد من الاقتصاديين أن تستمر هذه الاتجاهات لعدة عقود حيث يتم اعتماد أساليب استبدال العمالة قيد التطوير حالياً مثل السيارات الآلية والمخازن والمستودعات والمطابخ على نطاق واسع. إن النمو البطيء والديون الهائلة والأجور المنخفضة والبطالة المزمنة وعدم المساواة المفرطة،كلها عوامل تؤدى إلى نشوء القومية والتطرف. ففى الثلاثينيات من القرن الماضى تسببت الأزمات الاقتصادية فى رفض الكثير من الناس للديمقراطية والتعاون الدولى واعتناق الفاشية أو الشيوعية. اليوم، يتصاعد القوميون المتطرفون عبر العالم الديمقراطى – وليس فقط فى الديمقراطيات الوليدة فى أوروبا الشرقية. فى ألمانيا على سبيل المثال يحتل الحزب القومى اليمينى، البديل لألمانيا الآن ثالث أكبر عدد من المقاعد فى البرلمان وتضاعفت حالات تسلل النازيين الجدد فى الجيش والشرطة بشكل مقلق. ستزداد صعوبة مهمة الولايات المتحدة فى قيادة النظام العالمى الليبرالى مع اكتساب القوميين للسلطة ورفع الرسوم الجمركية وإغلاق الحدود والتخلى عن المؤسسات الدولية.
فى مواجهة الحلفاء المتعثرين والجمهور المنقسم وغير المبالى قد تبدأ الولايات المتحدة فى التصرف بشكل أقل، مثل رئيس تحالف كبير وأكثر مثل قوة عظمى مارقة ؛ قوة اقتصادية وعسكرية تفتقر إلى الالتزامات الأخلاقية، لا انعزالية ولا دولية، لكنها عدوانية بشدة ومسلحة وفاقدة السيطرة على نفسها. ففى عهد ترامب ظهرت أنها تسير فى هذا الاتجاه بالفعل. وقد راق نهج ترامب لكثير من الأمريكيين وتوافق مع تفضيلاتهم فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة فى العالم؛ الموضوع له تفاصيل أخرى؛ أكتبها إن شاء الله فى مقالى القادم.