صكوك
.. ولا تعض كتابى!
يقولون إن كورونا أغلقت كل شيء: المساجد والكنائس والصالونات والمنتديات وحتى المكتبات.. ولكن حقيقة الأمر كورونا بريئة من إغلاق المكتبات فقد سبقتها غزوة الصناديق الإلكترونية.. وإن كانت قد أغلقت كل شيء فإنها لم تغلق العقول المشتاقة إلى المعرفة. المواطن باع الأوراق ليتابع سحر الصندوق الإلكترونى وما فيه؟!
قرأت إحصائية حول مؤشر القراءة العربية تؤكد تحول القارئ العربى خلال السنوات الأخيرة إلى القراءة الإلكترونية بمتوسط بلغ ١٩ ساعة سنويًا مقابل ١٦ ساعة للقراءة الورقية وهو يرجع إلى الاكتساح الكبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصال وظهور بدائل أفضل من الوثائق المطبوعة، بالإضافة إلى أن الحصول على الكتاب الرقمى أسهل بكثير من الحصول على الكتاب الورقى.
وإحصائية أخرى تكشف عن أن الأوروبى يقرأ بمعدل ٣٥ كتابًا فى السنة، أما العربى فإن ٨٠ شخصًا يقرأون كتابًا واحدًا فى السنة. وطبعًا هذا متوسط الإحصاءات.. ولكن يبدو أن تلك الإحصائيات أكثر تفاؤلًا.
الأرقام التى تصدر عن دور النشر تشير إلى أن الواقع العربى أسوأ بكثير. وحسب إحصائية اليونسكو فإن الدول العربية أنتجت ٦٥٠٠ كتاب عام ١٩٩١ مقابل ١٠٢ ألف كتاب فى أمريكا الشمالية، و٤٢ ألف كتاب فى أمريكا اللاتينية والكاريبى من تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٣ النسخة الإنجليزية.. كان هذا الوضع العربى منذ ثلاثين عامًا وكانت الثقافة العربية هى الأفضل، حيث لم يكن يطل علينا بعد هذا المربع الذاخر بالإنترنت.
ربما تكون تلك الإحصائيات غير دقيقة وقديمة، ولكن حتى لو بحثنا فى أنواع الكتب، سوف نجد ندرة حتى فى التنوع. فإن الكتب الأكثر مبيعًا حسب معرض القاهرة الدولى للكتاب هى الكتب الدينية، يليها كتب الطبخ، ثم كتب الأبراج. حتى فى اختيار الكتب كانت قصص الدجل والخرافات هى الأكثر انتشارًا مع بداية التسعينيات.. وأتذكر صحفيًا صديقًا كان يؤلف كتبًا عن الجن والسحر وكان توزيع مؤلفاته رائع.
والآن استسلم القارئ لمنظومة «بى دى اف» والقراءات السريعة فى التواصل الاجتماعى وترك الأوراق.. وتحول إلى قارئ وناشر فى نفس الوقت مع ضحالة ثقافته، وتوغلت اللغة السوقية فى إبداعاته الكتابية، وما بين اسطى ويا زميلى، أصبحت تكتظ السطور.. لقد تحولت القراءة عندنا إلى وجبات سريعة وأخشى أن تتحول أقل من السطور. نحتاج إلى داعم يعيد لنا مكتبة الأسرة والمكاتب المتنقلة ومعارض الكتب مع الاحترازات الوقائية فى التجمعات. نحتاج إلى تشجيع النشر والتوزيع والعودة إلى رائحة الأوراق وعبير السطور. اعتقد والكتب الإلكترونية لن تغنى مطلقًا عن لمس الأوراق.