بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

جمعية «آشانتى» والتكية «1»

 

يحكى أن فى عام 1670 قبل الميلاد فى عهد إمبراطورية «آشانتى»، كان توجد بلدة أهلها يتمتعون بالطيبة والرضا بكل ما هو حولهم من خير كثير أو قليل وفقما تجود به الأرض والسماء، لكن طيبتهم وخيراتهم، كانت مطمعا لأبناء الإمبراطوريات الأخرى، بل مطمعا لبلدان من نفس الإمبراطورية، فخاض سكان البلدة عدة حروب وثورات للدفاع عن خير بلادهم وطلبا للعدل، مما استنزف الكثير من الخيرات نهبها المعتدون والخونة، وهدأت حالة البلدة، وقد ولى الإمبراطور عليها حاكما احبه الناس لطيبته وسماحة وجهه، واعتبروه هدية السماء اليهم بعد كل ما لاقوه من ويلات وحروب وخراب.

ورأى الحاكم أن أهل البلدة الطيبين يستحقون حياة أفضل، جزاء بما صبروا وعانوا على مدى سنوات عجاف، فجمع حوله مستشاريه مما اعتبرهم أهل ثقة وخبرة، وشاورهم فى الأمر، كيف يكافئ سكان البلدة، حتى ينتشلهم من الحاجة والفقر، ويطور مدينتهم شأن بلدان الإمبراطوريات الأخرى، وكان من بين مستشاريه من هو حاقد على الحاكم الذى يحبه أهل البلدة، ويتمنى أن يزيحه من الحكم، ويجلس مكانه، بأن يكيد له لدى الشعب ليكرهوه ويثوروا ضده، كان كل ما يهم هذا المستشار وبطانته التى تؤيده وتنتفع من نفوذه وسلطانه، تأجيج غضب أهل المدينة، فأرشده شيطانه إلى خطة محكمة، ونجح بدهائه هو وبطانته فى إقناع الحاكم بها لتنفيذها، تحت شعار «تحقيق الثراء لكل أفراد الشعب».

وكانت الخطة، أن يعلن فى المدينة عن عمل ما يشبه «الجمعية» التى يتم جمع الأموال فيها من الناس، على أن تقدم الأموال التى يتم جمعها كل أسبوع إلى احد المواطنين، حتى يحقق هذا الشخص الثراء والرفاهية، وهكذا كل أسبوع، يصيب المال الذى يتم جمعه من الشعب احد المواطنين، فيثرى، فيما يزداد باقى الشعب فقرا وحاجهة، ولأن عدد أبناء البلدة كثير، ضج الشعب من فكرة الجمعية، وبات كل منهم يتعجل أن يصيبه الدور ليحصل على الأموال التى يتم جمعها من باقى أهل المدينة، وانتشر السخط، وتزايد الفقر والجوع، مع لجوء المستشار وبطانته إلى فرض عقوبات صارمة وتعذيب كل من يرفض دفع الجمعية، التى اعتبرها أهل المدينة «جباية» إجبارية، لا تعود إلا على قلة منهم بالنفع، والباقى أعياهم الصبر بعد أن تضوروا جوعا وحاجة.

وعندما بلغت أنباء الغضب للحاكم، اجتمع بمستشاريه مجددا، واخبرهم بطرح خطة جديدة لإنهاء حالة السخط، فتفتق ذهن المستشار وبطانته عن خطة أخرى لا تقل شرا، بأن يتم جمع الأموال من الشعب بالإجبار، ولكن لا يتم تقديمها لأحدهم هذه المرة، بل يتم عمل «تكية» كبرى داخل قصر منيف فاخر، على أن تكون أبواب التكية مفتوحة أمام الجميع فى المستقبل يأكلون ويشربون منها كما شاءوا، ليعيشوا الرفاهية التى حلموا بها طويلا.

وتم جمع الأموال مجددا، تحت سياط الخوف والإرهاب، ومن يعترض أو لا يدفع بسبب فقره يزج به فى السجن، وتشرد أسرته، وكانت الخطة الشريرة تقضى بإطالة أمد بناء القصر، وكلما اقترب على الاكتمال، تم ابتكار شيء جديد، وعندها اشتعل الغضب مجددا بين أبناء البلدة لانهم لا يرون نتيجة صبرهم الذى طال، اقترح المستشار أن يتم عمل حفل كبير، يجمع فيه أهل البلدة لمشاهدة مراحل بناء التكية وقصرها الفاخر كملهاة لهم ليصبروا، ودعوة حكام الإمبراطوريات المجاورة لمشاهدة هذا الإنجاز العظيم، ولان عدد الشعب كان كبيرا، واغلبهم مريض وفقير رث الثياب بسبب ما دفعوه من أموال وجبايات، ولأن المدعوين من الحكام الآخرين يجب أن يشاهدوا واجهة جميلة للبلدة، اقترح المستشار الشرير أن يتم وضع الاثرياء فى المقدمة، والفقراء والمساكين خلفهم.

وبدأ الحفل، لكن الصفوف الأمامية فقط من الأثرياء تمتعوا بالحفل وبمشهد التكية التى ستكون، خاصة وان هؤلاء الأثرياء لم يضاروا بما دفعوا، فالجباية كانت واحدة على الجميع، ليس بها أى مراعاة لظروف الفقراء، وانشغلت الصفوف الخلفية بالاقتتال فيما بينهم وحتى مع الصفوف الأمامية، رغبة فى أن يصعدوا للأمام ويشاهدوا شيئا من «التكية»، فسادت الفوضى، وسقط الضحايا قتلى ومصابين من الفقراء والمساكين وأيضا الأثرياء.

عندها شعر المستشار وبطانته أن خطته تنجح، وسيحقق قريبا هدفه من إزاحة الحاكم الطيب، والتربع على كرسى الحكم، فلا يهم من سيحكمهم، فقراء مساكين، جوعى، مرضى، المهم أن يصل إلى الكرسى ولو على الأشلاء، ابتسم فى وجه الحاكم قائلا: كله تمام يا فندم، زوبعة وستنتهى، كله تحت السيطرة..!

وللحديث بقية

 

[email protected]