خارج السطر
تأملات فى تحولات البشر
خارج السطر
كُنت دوما أتعجب من انقلابات الناس، وتحولاتهم. ما يُبدل أخلاقهم، ما يُلغى داخل ذواتهم الإنسان، ويوقظ الحيوان؟ ما يدفعهم أن ينسوا أن كُل شىء زائل، وأنه ثمة يوم عدل مُطلق لا مهرب منه؟ كنت أتساءل كثيرا: كيف تحدث لحظة التبدل؟
وعدت إلى التاريخ وسير السابقين مستقرئا ومُحللا، فوجدت أن فضل الله ونعمه قد يدفع بعض الناس للتجبر وُيجرجرهم نحو قاع انحطاط لا مثيل له.
فى سيرة الجلاد الأشهر حمزة البسيونى نموذج واضح لذلك، فقد اكتشفت وأنا أعيد قراءة مذكرات السياسى الراحل فتحى رضوان، والمعنونة «اثنان وسبعون شهرا مع عبدالناصر» أنه كان أحد من عرفوا حمزة البسيونى مبكرا جدا، قبل أن يُدركه فضل الله فى منصب مهم ونافذ فى زمن عبدالناصر.
يُدهشنا فتحى رضوان عندما يذكر حمزة قائلا «عرفته طالبا فى كلية الحقوق قبل أن يتحول إلى الكلية الحربية، وكان شابا جميل الطلعة، يبلغ من البساطة والطيبة حد السذاجة، وكان يشارك فى المظاهرات..». ثم يشير «رضوان» إلى أن حمزة تعرض لظرف جعله يتردد على مكتبه الخاص بالمحاماة، وهو أنه اتهم بقتل زميل خطأ فى شقة يستأجرها مع زميلين من الطلبة، إذ كان يلعب بمسدس يظنه خاليا وانطلقت رصاصة لتقتل صاحبه، وكان يأتى لمكتب المحامى مع والده الذى يعمل فى القضاء الشرعى، وكان وجهه يفيض سماحة ولطفا.
وانقطعت أخباره سنين طويلة، وبعد أن صار فتحى رضوان وزيرا للمواصلات، ذهب لمحطة القطار، وفوجئ برجل ضخم يقف على المحطة، ويؤدى له التحية، فتفرس فى وجهه، واكتشف أنه الشاب اللطيف الطيب الذى كان يعرفه واسمه حمزة البسيونى بعد أن امتلأ جسمه وترهل وأصبح شاربه كثا. وسأله أين أنت يا حمزة الآن؟ فوجد اندهاشا باديا على وجهه، ثم تذكر أن الناس تتحدث فى الخفاء عن غول شرس اسمه حمزة البسيونى، لكنه استبعد تماما أن يكون هو ذاته الشاب الطيب السمح، حتى أجابه حمزة فى برود. وتساءل فتحى رضوان إن كان ما يقال عن الرجل محض افتراء وتلفيق أم صدق خالص، لأنه وجد نفسه أمام شخصين شديدى التناقض.
لكن عبدالعزيز كامل، والذى صار وزيرا للأوقاف فى سنة 1968 يقدم لنا شهادة أخرى عندما اعتقل فى السجن الحربى سنة 1957، إذ قام حمزة نفسه بالتحقيق معه، وسأله عن عدد الشهادات الجامعية التى حصل عليها، فرد عليه ثلاث شهادات. وهنا انهال عليه صفعة مدوية، مرددا «هذه للشهادة الأولى» أتبعها بثانية أشد وهو يقول «وهذه للشهادة الثانية» ثم أخرى مرددا «وهذه للشهادة الثالثة»، ثم قال له «هأوريكم الأدب يا بتوع الجامعة».
وتفيض شهادات عشرات الضحايا عما لاقوه على يد حمزة البسيونى الذى ابتكر وسائل تعذيب جديدة دمغت عصرا كاملا بالسوء، وجعلتنا ننظر له بتقزز شديد.
لكن حتى الآن فإن أحدا لم يُحلل لنا كيف تحول الشاب الوطنى المعارض، ذو الوجه السمح والطيبة البادية التى رآها فتحى رضوان فى البدايات إلى ذلك الوحش السادى الذى يتلذذ بصناعة الوجع. كيف صارت نعمة الله عليه بتكليفه بمنصب ما إلى نقمة عليه فى الدنيا والآخرة!
أتذكر عبارة أثيرة لمكرم عبيد باشا يصف فيها الرجل الحق بأنه الذى يكبر ولا يتكبر، يتطور ولا يتغير، يحتفظ بثباته خلال وثباته. وأستعيذ بالله من التبدل والتقلب.
والله أعلم.