حكاية وطن
نبوءة الدكتور سرور!
سمعت الدكتور أحمد فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الأسبق يقول من فوق منصة المجلس أثناء مناقشة أمر يخص الثانوية العامة: إن حصول أى طالب على الدرجات النهائية فى امتحان الثانوية العامة يؤكد وجود خلل فى نظام التعليم، كان الدكتور سرور قبل رئاسته لمجلس الشعب وزيراً للتربية والتعليم. وارتبط اسمه بإلغاء الصف السادس الابتدائى لظروف اقتصادية، وعادت السنة الملغاة وكان «سرور» رئيساً لمجلس الشعب!
إصرار الدكتور سرور على رفضه مجموع 100٪ الذى كان يحصل عليه آلاف الطلاب لم تأخذ به الحكومة، ولم يلفت نظر وزراء التعليم المتعاقبين، بل زاد الطين بلة، وأصبح عدد كبير من الطلاب يحصلون على أكثر من 100٪ بعد إضافة المستوى الرفيع.
فى إحدى السنوات، وقبل ظهور نتيجة الثانوية العامة، كنت مهتمًا بمعرفة نتيجة ابنة أحد الأصدقاء فى مجلس الشعب، كان طبيبًا فى عيادة المجلس، وأثناء إعلان مؤشرات النتيجة التقيته صدفة فى الممر المؤدى إلى البهو الفرعونى، الابتسامة التى تعلو وجهه تؤكد أن ابنته من الأوائل، سألته: الأمورة عملت ايه؟، أناب حضن كبير عن الإجابة، وأمطرنى بالقبلات، وضاع صوته، وسط دموع غزيرة: الحمد لله حصلت على «104٪»، وانشغل عنى بتلقى التهانى من آخرين، وهربت من أمامه لأننى كنت أخشى أن عقله حدث له شىء لانشغاله بنتيجة ابنته، لم أصدق أن طالبًا يحصل على 104٪ فى الثانوية العامة، وعندما عدت إلى مكتب الصحافة بالمجلس تأكدت أن ابنة الطبيب حصلت على هذا المجموع بالفعل، وأنها ليست الأولى على الجمهورية طبقاً للترتيب الأبجدى الذى وضع معها مئات الطلاب والطالبات الذين سبقوها أو أتوا بعدها فى الترتيب حصلوا على هذا المجموع الذى يفوق الدرجات النهائية بعد إضافة المستوى الرفيع، كما حصل مئات الطلاب على 100٪.
فى هذه الفترة أتذكر أن كلية الطب بقنا كان الالتحاق بها طبقاً لمكتب التنسيق بمجموع 101٪، وعدت إلى كلام الدكتور سرور أقرأه مرة أخرى وكان هناك سطر فى كلامه يؤكد أن هذه المجاميع العالية جدا التى لا تقيس مستوى الطالب ستكون وراء استفحال ظاهرة الدروس الخصوصية، وبعد سنوات تحقق ما كان يحذر منه وزير التربية والتعليم السابق، ورئيس مجلس الشعب الدكتور سرور، وأصبح أولياء الأمور يضخون سنوياً أكثر من 60 مليار جنيه فى جيوب مافيا الدروس الخصوصية رغم أن معظم الأسر كانت تقتطع من مخصصات احتياجاتها الأساسية لتوفير الدروس الخصوصية لأبنائها طمعاً فى الحصول على الدرجات النهائية أو أقل قليلاً للالتحاق بكليات المجموعة الطبية والهندسة والعلوم السياسية والإعلام. أصبح هناك سباق محموم بين المجموع ومكتب التنسيق «انت تعلّى وأنا أعلّى»، كلما زادت المجاميع زاد مجموع القبول بكليات القمة، وسميت كليات قمة وهى إحدى سلبيات العملية التعليمية لأنها تأخذ من مجاميع قمة وساد اعتقاد عند أولياء الأمور أن باقى الكليات درجة ثانية أو سبنسة الكليات وكل أب يريد أن يحجز لابنه فى مقدمة قطار الثانوية العامة درجة أولى فاخر، قطار الأوائل الذى يمضى على قضبان لا يقف إلا عند محطات الطب بأنواعه والهندسة والإعلام والاقتصاد والعلوم السياسية.
المجاميع الكبيرة ارتبطت بظاهرة الحفظ والتلقين، الحفِّيظة الذين يصمّون المنهج طريقهم مفروش بالورود إلى كليات القمة، والذين يعتمدون على الفهم، ولا يستطيعون كتابة الإجابة بالنص يفقدون درجات تبعدهم عن القمة.
فى ثانوية عامة عام 79 كان «محمد حسين» وأنا لا أعرفه، ولا أعرف أين هو الآن، ترتيبه الأول على ثانوية عامة أدبى، وكل معرفتى به أنه الأول على دفعتى فى الثانوية العامة، كما أعلن وزير التربية والتعليم فى مؤتمر صحفى، قال الوزير إن الأول أدبى محمد حسين بمجموع 80٪ وأنا حصلت على 65٪، كانت أمامى معظم كليات الأدبى، واخترت كلية الآداب بسوهاج لأدخل قسم الصحافة الذى هو بالمناسبة أعظم قسم فى دراسة الصحافة والإعلام حتى الآن، وخريجوه يديرون صحافة مصر؛ قومية ومستقلة ومعارضة. كانت كلية الطب فى ذلك الوقت تقبل من مجموع 84٪ والهندسة فى السبعينات إلى آخره.
أرى أن الدكتور «سرور» سعيد بأن رغبته التى لم يستطع تحقيقها وهو رئيس لمجلس الشعب تحققت الآن، ويعود مجموع الثانوية العامة إلى الرشد، ونودع مجموع الـ100٪، ونعود إلى الفهم والذكاء والبحث ونودع الحفظ الذى كان يتم على طريقة الببغاء، بل عادت الثانوية العامة إلى وضعها الطبيعى، ورأينا حالياً أن كلية الهندسة تنزل إلى المرحلة الثانية، والطب تتخلى عن جنونها، وقريبًا سيوفر أولياء الأمور مليارات الجنيهات التى كان ينشلها مافيا الدروس الخصوصية من جيوبهم، وسيعتمد الأبناء على ذكائهم الفطرى فى التعامل مع الثانوية العامة، وسيتم القضاء على البعبع تدريجياً، كل دواء له آثار جانبية والدواء تعاطاه طلاب ثانوية البابل شيت هذا العام، من أجل إنقاذ مستقبل التعليم، الدولة لا تريد إلا إصلاح حال التعليم وربطه بسوق العمل، وأن نحب ما نعمل.