أوراق مسافرة
الغضب الساطع آتٍ «1»
هى ليست مرنة مرونة البشر، فى أن تتقبل أى تعامل معها، هى لا تنسى من أساء لها، أو تهاون فى احترامها، ولن تسامحه، وسترد له الصاع صاعين، لن يكون انتقامها سهلا، بل مريعا، وثمنه حياة الملايين من البشر وسائر المخلوقات، ستدمر مدنًا، قرى، ستحرق اخضر ويابسًا، ستمحو حضارات وتاريخًا، ستغرق، ستحرق، ستكشر عن أنيابها فى شراسة لا ترحم، وسأستعير هنا بعض كلمات الأخوان الرحبانى، لأقول «الغضب الساطع آتٍ من كل طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ».
لكنى هنا عن الطبيعة أتحدث، تلك التى أساء لها البشر، كل البشر على كافة مستوياتهم وتصنيفاتهم، دول عظمى، نامية، أغنياء، فقراء، تعاملوا معها بغباء وصلف، وكأنها جماد لن يتأثر، ليس له ردة فعل، فأطلقوا كل الملوثات، الجوية، الأرضية، المائية نظائر الأشعة، دون وازع ولا رادع، فاختنقت السماء بالاحتباسات الحرارية وثانى أكسيد الكربون، وحجبت النجوم، فلم نعد نرى سماء زرقاء صافية، ولا نتنسم عبير هواء نقى، ولا تحتضن أعيننا مساحات خضراء، بعد أن تقلصت واختنقت بمدائن الحجر.
إنها قضية قديمة، جديدة، وتتجدد كل يوم تحدث فيه كارثة بسبب ارتفاع درجة حرارة الكون نتيجة المزيد من الانبعاثات المسببة للاحتباسات الحرارية، ففى العقود الأخيرة انطلقت آلاف الأبحاث من خبراء وعلماء البيئة والجيولوجيا يحذرون من هلاك كوكب الأرض، واختلال التوازن البيئى للحيوانات والنباتات، وتعرض أنواع كثيرة منها للانقراض، وتعرض البشرية نفسها للهلاك، من أمراض خطيرة قاتلة بسبب ما تتعرض له البشرية من ملوثات، سواء باستنشاق هواء مسمم، أو شرب مياه ملوثة، أو حتى تناول منتجات زراعية وغذائية من اللحوم والأسماك لا تخلو من الملوثات الكيمائية والهرمونات الضارة.
للأسف الصراع الرأسمالى، والتنافس الصناعى منذ انطلاق الثورة الصناعية، لم يضع فى خططه أو أجندته أى معطيات للتعامل الإنسانى مع البيئة، أو مراعاة المعايير المفترض أنها محددة دوليا، لتجنب الملوثات المدمرة للبيئة، من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون والزئبق والرصاص، وغيرها من الأبخرة الخطرة المتصاعدة من المصانع، وعوادم السيارات.
فانتشرت الأمراض لدى سكان المدن اكثر منها فى الريف بشتى دول العالم، من سرطانات، أمراض صدر وكبد، ضغط، قلب، وغيرها صف طويل من الأمراض العضوية والتى تمتد إلى النفسية، من الإصابة بالإكتئاب والقلق والتوتر والجنوح للانتحار، لتسبب الملوثات فى إضعاف متعة الحياة عند الناس، بعد أن ضاقت الصدور بالأنفس المختنقة والملوثة، مع تفشى الأمراض.
ولا يمكن أبدا تجاهل أن درجة حرارة المناخ العالمى ارتفعت بمعدل 1.5درجة مئوية عقب الثورة الصناعية العالمية، ومتوقع أن ترتفع بنفس المعدل حتى عام 2030، اذا لم يحدث فعليا تكاتف دولى للحد من الانبعاثات الحرارية، وهو ما سيؤدى إلى كوارث، بدأنا نرى ونعايش بعضها بصورة واقعية فى العديد من المناطق بالعالم،من حدوث سيول، وإنصهارات جليدية، وفيضانات مدمرة، وحرائق بشعة فى الغابات فى دول غربية وعربية، والقادم ابشع ومروع، بعد أن أضعفت ملوثات الهواء قدرة الغلاف الجوى على ترشيح إشعاعات الشمس فوق البنفسجية، وحدث ثقب فى الأوزون أى فى الغلاف الجوى الذى كان يمنع الأشعة الضارة، ويتسع الثقب بمرور الوقت، مع استمرار نفس الملوثات والانبعاثات، وتتسع بقعة التأثيرات الخطيرة مع تغير مناخات العالم..
ولم تسلم مياه الأنهار ولا البحار والمحيطات من التلوث، بإلقاء مخلفات المصانع بها المشبعة بالمواد الكيماوية، بل والمخلفات المشعة، بجانب بقع الزيت التى تتسرب من السفن العابرة، أو حتى يتم التخلص منها بقصد فى المياه، يضاف إلى ذلك تسريب أنابيب المجارى على الأنهار، وبالتالى وصول الماء الملوث إلى المزارع، وعلى التوازى تصل ملوثات الزراعات من مواد كيمائية وأسمدة إلى الأنهار، وتصاعد الأبخرة الملوثة، يحمل إلينا أمطارا حمضية اكثر تلويثا للبيئة خاصة الزراعات، كما تجرف مياه الأمطار معها مخلفات الوقود والزيت والأملاح من الطرق ومواقف السيارات، إلى الآبار والتى تعد مصدر لمياه الشرب، والإصابة بعشرات الأمراض، التى تؤدى إلى الموت البشرى، وهلاك وتلوث الثروة السمكية والحيوانية، مما يقود البيئة الآن إلى اللا توازن على كوكب الأرض ككل، وللحديث بقية.