أوراق مسافرة
بدران ونورهان وطعنة الغدر!
«الحقينى.. حوشيهم عنى» لعلها كانت آخر كلمات نطقت بها نجلاء وهى تستغيث بصديقتها الوحيدة نورهان فى تلك الليلة الظلماء الأخيرة داخل عيادة كفر الدوار، صرخاتها «الحقينى» وطعنات الغدر تثخن جسدها الرقيق، واليد السوداء الآثمة تلتف حول رقبتها تزهق منها أنفاس الحياة، هذا المشهد الدموى المرعب لم يرق له قلب صديقتها، لتتحرك وتوقف الجريمة قبل إكمالها، قلبها المليء بالغيرة والحقد، حولها إلى وحش، فوقفت بدم بارد تتابع عملية القتل والطعن والخنق، بل أشارت بيدها للقتلة الذين تآمرت معهم ليكملوا جريمتهم، وقد زين لها شيطانها أنها بمقتل صديقتها، ستحتل مكانها فى العمل بالعيادة، مجرد عمل عادى وبسيط، ليس به مركز ولا سلطة أو نفوذ، ولا اعتقد أن الفوز بالعمل وحده كان الدافع للجريمة، بل دوافع أخرى نفسية منها الغيرة من صديقتها التى تدرس وتعمل، ولعله الغيرة من سيرة صديقتها الطيبة التى يحبها الناس لعمل الخير، ولعل هناك أسبابا أخرى ستكشف عنها التحقيقات.
ما حدث فى التصنيف القانونى، جريمة جنائية، ولكن فى التصنيف المجتمعى والنفسى، اكبر من ذلك، جريمة ضد كل القيم والأخلاق والمعايير الإنسانية، جريمة الصديقة التى كانت تبدو وفيّة ومحبة ومخلصة، فإذ بها من الداخل عكس ذلك تماما، تتمنى كل الشر لصديقتها، وتحلم بإزاحتها عن الحياة لتحتل مكانها فى الرزق، جريمة ثقة لم يعد لها وجود، وأمان ضاع، ووجوه شياطين وذئاب ترتدى أقنعة بشر، جريمة بدران وادهم الشرقاوى، الذى باع صديقه وسلم رقبته ليفوز بمكسب ضئيل فى الدنيا، إنها ليست مجرد جريمة عادية للأسف، لأنها تضعنا فى مواجهة مع انفسنا لنطلق سؤالا محددا: بمن نثق؟
الأنثى بصفة عامة، عندما تضيق بها مشاكل الحياة، لا تلجأ لرجل تحكى له وتفضفض، وقد لا تلجأ حتى لشقيقتها، أو أقاربها، بل تلجأ لصديقة مقربة، تستودعها أسرار حياتها، وغالبا تكون هى «صديقة العمر» كما توصف، ومؤكد يفعل الرجل كذلك، الصديق، فالصديق هو السند والملجأ وقت الضيق، الصديق لفظة مستمدة من الصدق، والمصداقية فى النصح والعمل والقول، وورد معنى الصديق فى القرآن الكريم مرتين فقط مما يدل على ندرة المعنى رغم وجوده، وذلك على النقيض من كلمة صاحب التى وردت اكثر من مرة، لان الصاحب مجرد رفيق مكان، طريق، فترة زمنية أو موقف، وقد يكون صاحب طيب أو سوء.
أما الصديق فهو مختلف، ومرفق به دلالة السند والدعم، وجاءت كلمة «الصديق» فى قوله تعالى «ليْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ» سورة النور. أى أن بيت الصديق مثل البيت الذى تملك مفاتيحه، وهو أروع مثل قدمه سبحانه وتعالى للصديق والصداقة، والذكر الثانى لكلمة صديق فى قوله تعالى «فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَاصَدِيقٍ حَمِيمٍ» سورة الشعراء، وذلك فى وصفه حال المشركين فى النار وهم يصرخون، ما يدلل على أن الصديق فى الدنيا هو الرفيق الذى يجده الإنسان عند الشدة ويجد لديه السلوى والراحة.
كثيرون منا يجدون فى الصداقة عصبا للحياة لأنها ملجأ للهموم، وتنفيس عن آلامنا وراحة من ارق مشاكلنا، وتخلق لدينا نوعا من التوازن والدعم المتبادل، وشعورا بالثقة والاطمئنان، ومؤلم جدا غدر الأصدقاء، وتحول الصديق والصديقة إلى عدو، لأنه يكون اعلم بالمضرة، أى بما يمكن أن يضرنا ويؤلمنا أكثر من أعدائنا، للأسف تلك الجريمة التى راحت ضحيتها شابة فى عمر الزهور بسبب غيرة وحقد صديقتها عليها، هى بصمة سوداء جديدة فى مجتمعنا، تجعلنا نفقد الثقة حتى فى الأصدقاء، بعد اهتزت لدينا الكثير من توجهات الثقة، باتت الثقة معدومة بين الأزواج، بين الأخوات حتى، بين الزملاء، والآن انهارت قيم الصداقة، وأصبحت الصداقات المزيفة تعمق من تفكيك تركيبة المجتمع، وتزرع المزيد من الشكوك بداخلنا تجاه كل البشر، لنفرض على انفسنا عزلة طوعية، فى عالم يضج بالزحام السلبى، وذلك نتيجة ضعف سوء التربية، وغياب القيمة والنموذج، وضعف الإيمان بأن زرقنا موجود، وحظنا ونصيبنا من الدنيا لن يخطئنا ليذهب لغيرنا.
ويغنى محمد رشدى «أمانة أمانة يا من تعيش فى العهد بعديا، لا يوم تآمن لمخلوق أو تبكى عليا، صاحبى غدر بيا، غدر بصاحبه اللى كان روحه وضى عينيا».