أوراق مسافرة
لن ينفع وإن كثر...! «1»
«هو لسة ما شبعش!؟» هل قلت هذه الجملة؟، سمعتها؟ تداولتها مندهشا مع شخص أو مجموعة من الأهل أو الرفاق؟ وكنت تقصد بها لصا معروفا متأنقا وشيك، نهب وسلب وهلب من مال عام أو خاص، لعب بالبيضة والحجر، ومارس الفهلوة فى «البيزنس» على كل شكل ولون، ورشا وارتشى، تمطى وتمدد بالمال إلى النفوذ، زوج المال مع السلطة، فقفز إلى قمة هرم ما، دون أن يترك وراءه دليلا ماديا يمكن أن يلقى به خلف القضبان، أو عله وقف بالفعل خلف القضبان، ولكن قليلا، وسريعا ما تحرر أيضا بالتحايل والنفاذ من الثغرات، رغم ذلك لم يتوقف، بل يواصل المزيد من الألاعيب لتحقيق المزيد من الثراء، فلا ملايين ولا مليارات تشبعه وتملأ عينه، ولا عقارات يملكها أو أسطول سيارات يكفيه، ولا أموال هربها للخارج تقنعه بالتوقف عما هو فيه، وأى إنسان شريف سيسأل نفسه: هو بعد كل ده لسة ما شبعش!؟
نعم هو لم يشبع بعد، ولن يشبع، لأن الحرام ببساطة يفتح طريق الشيطان، الذى يغرى صاحبه بمزيد من الكسب الحرام، ييسر له طريقه، ويخوفه من الفقر، فكلما كسب ألفا بالحرام رغب فى أن يزيده آلافت، فملايين، فمليارات، ولن يشبع أو يتوقف، وعلى الحرام سيتنافس المتنافسون، للثراء بشتى الوسائل، لينطبق عليهم قوله صلّى الله عليه « ليأتين على الناس زمانٌ لا يبالى المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام»، وقوله «لو أنّ ابن آدم أُعطى واديًا ملئًا من ذهب أحبّ إليه ثانيًا ولو أُعطى ثانيًا أحبّ إليه ثالثًا ولا يسُدُّ جوف ابن آدم إلا التُّرابُ ويتوب الله على من تاب».
نعم هو لم يشبع من استكمال طريقه للمال الحرام رغم حسابته بالبنوك، وما هربه إلى الخارج، لم يشبع لأن الله افقده الشعور بالنعمة، بالرضا، أو الاكتفاء بكل ما أثرى به من الحرام، وسبحان الله، فإن اغلب هؤلاء لا تبدو عليهم نعمة الثراء، ولا يتمتعون بها مثلما يمتع من يكسب من الحلال ولو القليل من المال، فمن يكسبون الحرام، منهم من يخفى الأموال خوفا من كشفه أو ضبطه ومحاسبته بالقانون ومصادرة ما كسبه، ومنهم من ابتلاه الله بالبخل رغم ثراءه، بخل حتى على نفسه وأهله، كعقاب من الله ليحرمه حتى التمتع بما جمعه من مال حرام، ومنهم من يبتليه الله بالأشد، بالمصائب والكوارث عقابا له، فيبتليه فى صحته، فى أولاده، حيث ينزع الحرام بركة الأبناء وقد غذاهم الحرام، فهؤلاء الأبناء سيكونون غدًا غُصّة فى حلْقه، وسبب شقائه فى دنياه وأخراه بسبب شؤم المال الحرام، فقد روى عنه صلّى الله عليه وسلّم «كُلُّ جسد نبت من سُحت فالنّار أولى به».
أو قد يبتليه الله فى أهله، أو حتى خسائر فيما يمتلكه نفسه، فيفقده لذة التمتع بما جمع، ويعيش حياته حزينا مغموما مهموما، إما بماله والحفاظ عليه وعده وإخفائه عن عيون الناس، وإما بما ابتلاه به الله من مصائب كعقاب دنيوى جزاء بما سلب ونهب وسرق، هذا غير عقاب الآخرة، ومن هؤلاء «آكلى الحرام» من يفضحهم الله، ويكشف سترهم، فتكون نهايتهم السجن، فيهوى الواحد منهم من علياء سماء المركز والسلطة والنفوذ والمال إلى أتون السجن، حيث لا حرية ولا كرامة ولا حياة آدمية، وحياتنا مليئة بهؤلاء، لنراهم بصورة القيود الحديدية بأيديهم، وهم فى ذل بعد عز وسلطان، فأى مال فى العالم يساوى هذا المشهد من مذلة ومهانة وفقدان للحرية وللحياة الطبيعية خلف القضبان، حيث لا ينفعه ماله الذى رباه وكدسه من حرام، حتى وان حاول شراء راحته بماله داخل السجن، هو فى النهاية سجين عن الحياة....وللحديث بقية