بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نيرون أديس أبابا

 

كان يا ما كان طفل يدعى «آبى أحمد على» ترعرع فى مدينة جيما بإقليم الأورومو لأب مسلم من أورومو وأم مسيحية من أمهرة، متزوج من أمهرية متشددة عضو جوقة الكنيسة البروتستانتية الخمسينية، يحرص على حضور صلاة الأحد مع أسرته فى الكنيسة، التحق بالجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو، وشارك فى التمرد المسلح ضد آخر أباطرة الحبشة منجستو هيلا مريام ومع سقوط النظام 1991 التحق رسميًا بالجيش الإثيوبى، ثم انضم إلى وحدة المخابرات والاتصالات العسكرية، وتدرج بها حتى وصل إلى رتبة عقيد عام 2007، وبدأ مشواره السياسى كعضو فى الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو، ثم عضوًا بالبرلمان واختاره ائتلاف الجبهة الثورية الشعبية رئيسا له مما جعله رئيسا للوزراء بشكل تلقائى خلفا لهايلى ديسالين الذى أعلن استقالته بعد احتجاجات مناهضة للحكومة صاحبتها أعمال عنف دموى.

بدأ الشاب الطموح 42 عاماً عهده بوعود براقة لتحديث البلاد فقام بإصلاح سياسى جزئى تزامن مع وضع خطة تنموية حالمة تهدف لانتشال إثيوبيا من الفقر والتخلف التى سقطت فيها جراء عقود من الفساد والقمع والاقتتال الأهلى وللأمانة حقق الرجل نجاح ملحوظ فقد تصالح مع جارته اللدود إريتريا فعم الاستقرار الحذر اركان القرن الأفريقى ففتحت الأسواق شهية الاستثمار الخارجى خاصة الزراعى، وأخلى سبيل بعض سجناء الرأى فمهد له الطريق إلى جائزة نوبل وكان الفوز بالجائزة المرموقة بوابته ليحصد شهرة دولية واسعة ما كان يتصورها فى أكثر أحلامه وردية.

ظل الانطباع عنه إيجابيا لفترة قصيرة وظن المراقبون أن إثيوبيا على موعد مع الرخاء والسعادة فقد حظيت أخيراً بالمهدى المنتظر لكنه خيب امل من ظنوا انه قائد أفريقى مختلف عن السفاحين أمثال عيدى أمين وروبرت موجابى لكن هيهات فبعد ان استتب له الامر اصابه غرور السلطة وأظهر نزعة ديكتاتورية معتادة فوصفه المعارض البارز جوهر محمد بأنه «شعبوى» يستخدم الشعارات القومية لإجهاض النقاش السياسى وإيقاف النهج المؤسسى وقالت الصحفية المخضرمة ميشيلا رونج أنه يشبه جموح ترامب وتصلب بوتين.

وبدأت ردود الفعل على تسلطه مبكرًا برفض إقليم التيجراى تأجيل الانتخابات التشريعية فجن جنونه وبدل من ان يتعامل مع الأزمة بأسلوب رجل الدولة أخذها كتحد شخصى له وانفجر بالتهديد والوعيد بشن حملة عسكرية لتأديب المارقين من رعيته فظهر كشخص أهوج منفلت الأعصاب لا يقبل أى مساس بما يراه «حقوقه السلطوية» ولا يقيم حسابا لشئ سوى هيبته المستمدة من تراث الأباطرة أصحاب الحق الإلهى فى الحكم.

استعان بجيش إريتريا وهو يعلم عداءهم التاريخى للإقليم وارتكب الجيشان جرائم حرب يشيب لها الولدان شملت وقائع اغتصاب ونهب للممتلكات وتدمير البنية التحتية المتهالكة لكن ما لبث ان استعاد مقاتلى التيجراى زمام المبادرة وأثبتت المعارك الأخيرة أن جيشه المغوار لا يجيد الا الوقوع فى الأسر وتسليم الأسلحة والمعدات.

ما لا شك فيه ان سبب الحرب الحقيقى هو رفض «نيرون أديس أبابا» الدستور الفيدرالى القائم على منح صلاحيات متساوية للأقاليم بل واعتبر أن الفيدرالية هى أصل الشرور وأن لا مخرج سوى حكم مركزى عضوض وكان يستطيع طرح رؤيته فى برنامج انتخابى واستفتاء المواطنين عليه الا ان إمبراطور إثيوبيا الجديد قرر السقوط فى مستنقع الحرب الاهلية بالإضافة إلى احتدام تعنته العبثى فى أزمة السد والذهاب بسرعة جنونية إلى سياسة حافة الهاوية وهو يعلم علم اليقين بالعواقب الوخيمة التى سوف تجعل منه آخر حكام إثيوبيا.

وبينما النيران تتصاعد والأجساد تحترق وفى وسط صراخ الضحايا كان «آبى نيرون» جالسًا فى برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق الذى خلب لبه وبيده الناى يغنى أشعار هوميروس.