بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

العيد... فرحة ولكن بجد!

 

 

«يا ليلة العيد آنستينا وجددتى الأمل فينا» صغارا عاش جيلى وما قبله فرحتها بعمق وبكل تفاصيلها، اللعب مع الخروف المربوط أمام البيت أو على السطح حتى يوم الذبح، وأمى بوجهها الأبيض الطيب تروح وتجيء ويدها لا تخلو من الأطباق، فتملأ البيت روائح طيبة للطعام والتوابل والحلوى المسكرة بالفانليا، وأبى بوجهه الأسمر الطيب المشوب بالحسم، متكئا على الكرسى الضخم يراقب سريان كل شيء فى موضعه ويوجه للتصويب، حتى توزع اللحوم للمستحقين الفقراء ونصيب الأقارب واهل البيت، ملابس العيد والحذاء الجديد مكور فى حضننا منذ الليل وحتى الفجر، صلاة العيد، العيدية، مركبة فى النيل، نزهة مع الأصدقاء بين الحدائق، دخول السينما، معايدة الجيران وأبناء الحى فى تزاور لا ينتهى طيلة أيام العيد، وقد عمرت موائد أسرنا البسيطة بكل ما لذ وطاب، « الملبس «، الفول السودانى البلح المحمص، الفتة، وصينية الرقاق باللحم المفروم، وسهرة المساء أمام فيلم العيد أو المسرحية الكوميدية، التى لا إسفاف فيها ولا إحراج للمة العيلة.

كل هذا عشناه، ونستعيد الآن تفاصيله مع الكبر، نجتر الذكريات، لأن ملامح العيد قد تكون تغيرت، تمحورت وتبدلت، وحلت التهانى الإلكترونية مكان التزاور، ومكان كروت المعايدة، وخطابات السلام والأشواق لمن هم فى الغربة، نعم تغيرت لدينا ملامح العيد، وان لم تفارق بعض قواعدها أو ثوابتها، ولكنى أعترف انى وكثير من رفاق جيلى، أننا لم نعد نشعر بنفس البهجة واللذة فى العيد، إلا فى عبق الماضى وذكرياته، هل لأن المسئوليات طحنت سنوات عمرنا ما بعد الطفولة فتوزعت فرحتنا بين العمل الشاق ورعاية الأبناء وبناء مستقبلهم،، هل لأن انعكاسات البهجة لدى أبنائنا أوأحفادنا لم تعد بنفس الطابع القديم، فلم يعد يهتمون كثيرا بخروف العيد، ولا ما وراءه من تفاصيل، ولم تعد ملابس العيد مهمة، لأنهم يشترون الجديد فى أى وقت وريثما احتاجوا، ولأن العيدية لم يعد لها الأثر الذى كان لدينا، لأن مصروفهم اليومى يتجاوز أى عيدية على أيامنا، واصبحوا يذهبون إلى الأندية، والسينما، والمتنزهات والرحلات فى أى وقت، فاصبح كل شيء لديهم عاديًا، ولا جديد يدهشهم فى العيد، لأننا بذلنا شبابنا لنوفر لهم ما لم يتوافر لنا، عسى أن يكونوا أسعد حالًا منا، لكنا اكتشفنا، انهم لا يعيشون السعادة التى عشناها، لأن الوفرة تقتل الدهشة، والمتاح يقضى على الانبهار واللهفة.

نعم افنينا شبابنا لنجعلهم سعداء على طريقتنا، فى لمة العيلة والفرحة ببساطة الأشياء ورمزيتها، فإذا هم يسعدون بطريقتهم، التى نراها نحن سطحية وهشة، ولا ملامح إنسانية حقيقية فيها، بل سعادتهم تظللها المادية، وتحقيق رغباتهم وطموحاتهم العالية، رغم هذا نستنشق السعادة أيضا منهم، من مجرد وجودهم فى الحياة حفظهم الله، حتى وان تفرقوا أشتاتا بين جوانبها لبناء ما يريدونه من حياة جديدة خاصة بهم، فلم يعد يربطهم بالقديم منها إلا خيط رفيع، نواصل حياتنا فى الدعاء لئلا ينقطع، فيفلت منا كل العقال.

جيلنا وما قبله، يقضى فرحة العيد الحقيقية غالبا مع الذكريات التى كانت، مع لمحة خاطفة من السعادة تحملها زيارات مقتضبة للأولاد وملاعبة الأحفاد، نعم مقتضبه لان هذا الشباب الصغار يرون فى زيارتهم للكبار وتواصلهم معهم واستماعهم لحكاياتهم عبئا ثقيلا، وإضاعة لوقتهم، وعرقلة لانطلاقهم، هذا الجيل إلا قليلا منهم،لا يطيق النصح ولا الإرشاد، فاصبح الكبار منا يعيشون وحدهم مع الذكريات، ويستولدون الفرحة من الأغراب، من توزيع اللحوم والصدقات على الفقراء فى الشوارع والطرقات، يذهب بعضنا إلى بيوت الأيتام أو إلى السجون وإصلاحيات الأحداث، حاملين الهدايا والملابس،لنستلهم الفرحة من هؤلاء، وأحبذ هذا كثيرا لو كان بديلا عن استجداء الاهتمام والعطف واللمة القديمة من أولاد أو أحفاد، وعن انصراف الأقارب الجيران.

ويا رب لا تحرم أحدا فى العيد من الفرحة، أى فرحة، فرحة بجد، بعمق، ويا ليلة العيد هلالك هل علينا فرحنا له وغنينا، وقلنا السعد هيجينا على قدومك يا ليلة العيد.

 

[email protected]