كش ملك
ذكر المؤرخ الدمشقى ابن خلكان أن الملك شهريام أمر حاشيته باختراع لعبة تقتل السأم الذى طاله وتسحب البساط من لعبة النرد الفارسية فقام الحكيم «صصه بن داهر» بابتكار الشاطورنجا التى أخذت لب المهراجا لدرجة أنه أمر بحفظها فى المعابد، وقال إنها أفضل شيء عرفه لتدريب الجنرالات فنون الحرب، ومن ذلك الحين ونظرياتها المعقدة تحكم إدارة الصراعات الدولية بين الأمم الطامحة للسلطة والنفوذ.
منذ فجر التاريخ كانت منطقة الشرق الأوسط هى ساحة الصراع الأكثر التهابًا ومحط أطماع القوى العظمى والإقليمية بسبب تميزها الجيوسياسى وثرواتها التى لا تنضب، لاسيما بعد أن هبت خماسين الربيع العربى التى قلبت الموازين رأسًا على عقب وأخرجت دولا عريقة بشكل دراماتيكى من صفحات التاريخ واهتزت أرض الكنانة بشدة من عنفوان الأزمة بعد أن حاصرها الأشرار من الجهات الأربع، فكان لزامًا عليها التحرك السريع لتدارك السقوط وستر عورة الانكشاف الاستراتيجى، وهو ما تطلب إعادة بناء القدرات الشاملة على أسس متينة أهمها تحصين الجبهة الداخلية ثم الانطلاق بعزم لكسر الحصار الخانق فشنت حربا شعواء لدحر فلول الإرهاب الدولى فى الجبهة الشرقية، ثم استدارت بخفة وثبات لترسم خطوطها الحمراء التى فرضت الاستقرار النسبى للجبهة الغربية المشتعلة لتتفرغ لمجابهة الخطر الوجودى الداهم من منابع النيل فوثقت علاقاتها بعمقها الاستراتيجى فى الخرطوم، ولم تكتف بذلك بل ذهبت بعيدًا بدهاء إلى عقر دار من حاصروها فى خطوة جريئة ومحسوبة بدقة فتدخلت بصرامة لإخماد نيران غزة وأعلنتها حديقتها الخلفية، وعلى مدار خمس سنوات كان الجيش المصرى هو الأكثر نشاطا وجاهزية فى العالم بخطة تدريب قتالى جبارة فقام بمناورات كثيفة ومتنوعة مع كافة المدارس العسكرية حتى وصلت إلى شواطئ البحر الأسود، ويكفى مشهد عبور القطع البحرية مضيق البسفور وهى رافعة العلم المصرى بعزة وفخر فى رسالة لا تخطئها عين الوالى العثمانى مفادها بأن كنت تريدها حربًا فنحن ها هنا جاهزون.
رب ضارة نافعة لقد كانت فترة الغياب الطويلة عن ممارسة القاهرة دورها الطبيعى كقائدة للمنطقة، والذى تؤطره حسابات التاريخ والجغرافيا السياسية فرصة ذهبية للنخب والشعوب العربية لاكتشاف حقيقة الأطماع التركية الفارسية التى حاولت التسلل بشتى الطرق من باب الطائفية الضيق فسكبت الزيت على النار وأوغرت نفوس أبناء الوطن الواحد فأشعلت حروبا أهلية طاحنة ما أنزل الله بها من سلطان، لذا يعد مشروع الشام الجديد هو حجر الزاوية فى إعادة الأمور إلى نصابها على طريقة أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض، والشعب العراقى الجسور يستحق كل مقومات الحياة الكريمة من توافر الكهرباء وشبكات الطرق الحديثة والمياه النظيفة، فهذا المشروع الطموح بمثابة حركة شطرنج مباغتة «كش ملك» لإيران وتركيا، فالعراق والأردن مجرد بداية ستتبعها لاحقًا سوريا ولبنان واليمن، وبذلك نستعيد اللحمة العربية لسابق عهدها.
دائمًا كان التعويل على حكمة القاهرة الراسخة بعدم التدخل فى الشئون الداخلية وألا تفرض وصايتها كقوة احتلال وإنما ترتكز على قوتها الناعمة وإرثها الحضارى، فعبقرية الشخصية المصرية المنفتحة هى مفتاح اللغز، فقد تركت فى ربوع هذه البلدان على مر العصور آثارًا للخير والعلم والثقافةـ فالمعلم والطبيب والأسطى مرحب بهم دون غيرهم كصناع للحضارة فى الأنبار والبصرة وكردستان، فهذا الخليط الفريد من الذكاء العاطفى التلقائى يتألف بمودة طبيعية ساحرة مع مكونات الشيعة والسنة والأكراد، وهؤلاء الأخوة الفرقاء بحاجة ماسة لحكمة وعمل من يساعدهم على الوصول إلى طريقة ما للتعايش المشترك وليس هناك أفضل من التنمية المستدامة التى سوف تخلق غدًا أفضل للجميع. نعم صدق الله العظيم عندما قال اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم.