على فكرة
صفعة على وجه الديمقراطية
لم تجد حركة النهضة الإخوانية وسيلة للرد على الاعتراضات التى وجهتها رئيسة الحزب الدستورى الحر وزعيمة كتلته فى البرلمان التونسى « عبير موسى « لاتفاقية مع الصندوق القطرى للتنمية ،سوى الاعتداء ،عليها وصفعها وركلها تحت قبة البرلمان . فذلك هو أحد الأساليب المعتمدة لدى جماعة الإخوان ، لمواجهة المخالفين فى الرأى والمعارضين لسياستها ، لعجزها التاريخى ، عن ممارسة ثقافة الحوار ومواجهة الحجة بالحجة ، والرأى بالرأى.
وكانت «عبير موسى» سليلة الإرث البورقبى، الوفية له، و الساعية لإحيائه حفاظا على هوية تونس المدنية ، قد اعتصمت داخل مبنى البرلمان ، لمنع التصديق على الاتفاقية مع الصندوق القطرى ، بعد أن وصفتها ، بأنها استعمار جديد ، وبوابة لغسيل الأموال ، وإهدار للسيادة التونسية.
حاصرت إدارة البرلمان التى تهيمن عليه حركة النهضة وانصارها، المعتصمين ، ومنعت عنهم المياه ، وسلطت عليهم أدواتها الإليكترونية . وحين اشتد الجدل مع «عبير موسى «حول موقفها من الاتفاقية ،أطلقت عليها حركة النهضة ،الميليشيات النيابية التى تتحالف معها ، فباغتها اثنان من ائتلاف الكرامة باعتداء جبان عليها بالصفع والعنف اللفظى والركل أمام شاشات التليفزيون . وكان من المتوقع أن يصمت رئيس البرلمان «راشد الغنوشى « ويتجاهل الحادث، ويتعلل بالحصانة البرلمانية لعدم اتخاذ أى اجراء لمحاسبة النائبين المعتدين .
ولعل اغتيال المناضلين «شكرى بالعيد» « ومحمد البراهمى «عام 2013 ، وهما كانا من أشد المعارضين لحركة النهضة ، كان ماثلا فى ذهن «عبير موسى « وهى ترتدى خوذة وسترة واقية من الرصاص داخل البرلمان وخارجه . وبحكم هيمنة حركة النهضة على مراكز اتخاذ القرار السياسى نظرا لأغلبيتها المصنوعة ، و عبر شبكة المصالح التى تديرها بأموالها ، وما تمنحه من فرص للترقى الوظيفى وتقلد المناصب السياسية للمتنطعين من ذوى الأطماع من معدومى الخبرة والكفاءة ، تمكنت النهضة من عرقلة سير المساءلة القضائية التى تتهمها بالمسئولية عن اغتيال المعارضين بالعيد والبراهمى . وتفرغت الحركة لملاحقة معارضيها وتعزيز نفوذها ،وتجنيد الموالين والأنصار ،للتصدى لكل محاولة تسعى لتحجيم دورها ، أوإخارجها من المشهد السياسى ، بعد أن أدت عودتها من خارج البلاد ، وسطوها على صناديق الاقتراع، إلى تصدرها الحلبة السياسية ، لتنفيذ مشروعها الفاشل ، الذى لا يؤمن لا بالدولة الوطنية ولا بالديمقراطية. وكان من الطبيعى أن تدخل تونس على امتداد عقد كامل منذ سقوط «نظام بن على « أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية شاملة ،من جراء المعارك التى تقودها حركة النهضة المنقسمة على نفسها ، لترسيخ نفوذها وهيمنتها على القرار السياسى، برغم افتقادها للخبرة والكفاءة وانعدام النزاهة ، حتى لو أدى ذلك إلى خراب البلاد وهلاك العباد!
ولم يكن الاعتداء على الجسورة العنيدة «عبير موسى» سوى اعتداء على القيم التى تمثلها وتدافع عنها . فهو اعتداء على القيم الديمقراطية التى منحت فرصة الوجود السياسى لأقلية منظمة ومدعومة إقليميًا ودوليًا ، لمواصلة منهج جماعة الإخوان المعروف فى الإقصاء وهدم مؤسسات الدولة ، لبناء دولة الخلافة المزعومة. هو اعتداء على الهوية التونسية التى أرسى مبادئها الحبيب بورقيبة كدولة علمانية حديثة ، لا خلط فيها بين الدين والسياسة . هو اعتداء كذلك على المرأة التونسية ،التى كانت ولا تزال ، رمزا لتلك الهوية الحداثية ،التى تبلورت فى مدونة للحقوق والمساواة تباهى بها نساء الأرض جميعا .
وسواء اعترفت حركة النهضة أو لم تعترف ، أن وجودها على الساحة السياسية بات خطرًا على سير تونس نحو المستقبل، فمن المؤكد أن وحدة القوى الديمقراطية التونسية كفيلة بإعادتها لوضعها الطبيعى ،حركة دعوية لا علاقة لها لا بالسياسة ولا العمل العام .وهى معركة طويلة وليست سهلة لكنها غير مستحيلة .