بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الصعود من القمة (الحلقة الرابعة)

ثورة أيلول

يوماً بعد يوم، وأنا في خضًم متابعتي لتفاصيل كتاب (للتاريخ) للزعيم (مسعود بارزانى)، يزداد احترامي وتقديري لهذا الكتاب، وخلال متابعتي لتفاصيل ثورة أيلول وجدت الكاتب يتمعن فى هذه الثورة بتفاصيل دقيقة لم أتوقعها، والجميل أنه اختصر تفاصيل هذه الثورة المحورية فى تاريخ الكورد فى خمس صفحات كتبهن بدقة وموضوعية، وأعطى خلاصة الثورة فى وريقات بسيطة، لكنها كانت جامعة.

تذكرت وأنا اقرأ هذه الصفحات، النقاش الذى جمعنى بصديقي د. (قيس الرضواني) عن يقين (كاك مسعود) ببلاده، إذ أخبرني الرضواني عن انشغال الزعيم الدائم بتأليف العديد من الكتب التى تناولت تاريخ الكورد، وحادثني عن كتابه السابق (البارزاني... والحركة التحررية الكوردية)، الذى صدرت منه عدة اجزاء، كان الجزء الثالث منها بعنوان (ثورة أيلول ١٩٦١ - ١٩٧٥)، والذى صدر فى أربيل، سنة ٢٠٠٢، وحكى لي الرضواني ان هذا الكتاب أحدث ضجة وقت طرحه، خاصة وأنه بدأ بكلمات تمس القلب قالها البارزانى الزعيم: "الله شاهد على أنني أكره القتال، فالقتال أسوأ السبل لمعالجة الأمور، إلا أن البعث لم يترك لنا سبيلاً آخر، وليس فى معنى اقتراحهم إلا النزول لهم عن كركوك والمناطق الأخرى، وهو من المحال، الا فلنستقبل المصير إن قدر لنا أن نهلك جميعاً، فأنا أكره أن يأتى الكورد ليبصقوا على قبري قائلين لماذا بعت كركوك؟".
أهدى فيه مسعود بارزاني الكتاب الى (أبطال ثورة أيلول إلى شهداء الحرية فى كل مكان). ولعل (كاك مسعود) قال إن ما دونه عن ثورة أيلول ١٩٦١ هدفه المحافطة على الأرشيف الوثائقي الكبير للثورة. وهو المادة الأساسية التى لا يمكن الاستغناء عنها لكل متصد لحدث تاريخى هام مماثل، ووجدت من الضرورة أن يكون ما وعته ذاكرتى من معلومات ودونته من ملحوظات، وما وقيته من الوثائق عن الضياع جزء لا يمكن الاستغناء عنه من بين الكثير الذى كتب عن ثورة أيلول.
الكتاب الذي صاغه بارزاني فى ٢٣ فصلاً في ٩٠٠ صفحة، اختار منها في خمس صفحات ما يوضح هذه الثورة وما آلت إليه من تفاصيل دقيقه لعلها كانت معبرة عما حدث في هذه الثورة وأثرها على مصير الكورد.
يشير المؤلف فى كتابه (للتاريخ) إلى أن ثورة أيلول طوال تاريخها أصبحت ملاذاً آمناً للمناضلين العراقيين، وصب جل جهود سيادة بارزاني في سبيل منع القتال وسفك الدماء، سواء خلال الحرب والهدنة وفي حالات اللا حرب واللا سلم، مقابل ما كان يتم اقترافه من جرائم ضد المدنيين الكورد. ويرصد أنه طوال تاريخ ثورة أيلول جرى العديد من جولات التفاوض والحوار مع السلطات العراقية فى ذلك الوقت، وكانت بغداد على الدوام تلجأ إلى التفاوض مع الكورد كتكتيك (ص/٣٤). وكان البعثيون يبغون من تلك المفاوضات مع الكورد تثبيت أقدامهم فى السلطة، لأنهم فى الأساس لم يكونوا مؤمنين بمعالجة المشكلات. وأعلنوا فى العام ذاته النفير العام وجددوا القتال ضد الكورد (ص/٣٤). وتطرق إلى تفاصيل كثيرة خاصة عندما مارست الحكومة العراقية عام ١٩٦٥ سياسة (الأرض المحروقة) وتدمير البنية التحتية الاقتصادية لأهالي كردستان(ص/٣٥)، ويتطرق الى خطة معركة (توكلت على الله) الشاملة ضد كوردستان، والتى تهدف إلى إنهاء الثورة، وفى ملحمة (هندرين) سنة ١٩٦٦، وخلال معركة بطولية تم تدمير تلك الخطة وتكبيد القوات الحكومية خسائر عسكرية فادحة، وعليه أعلنت الحكومة استعدادها للحوار والتفاوض وحل المشكلات مع الكورد بالطرق السلمية (ص/٣٥).
يتطرق كاك مسعود الى عشر سنوات، دبرت فيها سبعة انقلابات عسكرية فى العراق، التى لم تستطع جميعاً حفظ أمن العراق وحمايته، والانقلابيون لم يستطيعوا قيادة العراق نحو الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان أو الاعتراف بالحقوق للكورد والتركمان والمسيحيين فى العراق. وكانت اتفاقية ١١ آذار ١٩٧٠، أكبر مكسب من مكاسب ثورة أيلول، حيث اعترفت الدولة العراقية بأن الكورد شعب يعيش على أرضه. وكان ذلك نصراً عظيماً للشعب الكردي في الأجزاء الأربعة من كوردستان ولقيادة الثورة والحزب الديمقراطي الكوردستاني والبيشمركة الأبطال الذين ساندوا رئيسهم مصطفى بارزاني بالروح والقلب.
بعد عام ١٩٧٥، انفتحت الحركة التحررية الكوردية في كوردستان العراق نحو العالم الخارجي بشكل أوسع (ص/ ٣٦ - ٣٧). وفي صفحات بسيطة، استطاع مسعود بارزاني ان يأخذنا إلى حقبة زمنية مهمه جداً، رصدها واضحة بعين متابع ومؤرخ ليعطي للثورة مفاهيم جديدة كنا نحتاج إلى فهمها، كي نعرف كيف أثرت على مستقبل الكورد.