بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

مَن يملك العملة؟

 

- خذها منى نصيحة، استقل من عملك وتعالى لتعمل عندى مديراً للتسويق.

- هل جننت يا رجل؟ أتدرك أنك تخاطب المتحدث الرسمى للبيت الأبيض؟

- أعرف جيداً من أخاطب يا صديقى، لذا أنصحك تلك النصيحة المخلصة!

- يبدو أن الغرور قد أصابك بعد أن أصبحت تملك مصنعاً كبيراً لإنتاج الشركات الفارهة، نجاحك المادى سول لك أن كل شىء فى الحياة اصبح يقاس بالمادة، أما أنا يا صديقى.

 - أما أنت فغالباً سوف تستمر فى عملك متحدثاً رسمياً للبيت الأبيض لمدة عامين على الأكثر ثم تطرد منه لتكتب فى مجلة غالبا لا يقرأها أحد، أما لو تركت عملك هذا الآن وقبلت بالوظيفة التى أعرضها عليك فسوف تتمكن خلال عامين من شراء تلك المجلة بمن فيها!

هذا الحوار دار بين اثنين من ابطال مسلسل أمريكى يعرض حاليا فى الولايات المتحدة ويجيب عن سؤال مطروح بقوة منذ سنوات يقول: ما المستقبل المنتظر للصحافة خاصة الورقية، ليس فقط فى منطقتنا، بل فى الولايات المتحدة الأمريكية معقل الرأسمالية بأبشع صورها حيث تمر الصحافة بمنعطف خطير يهدد مستقبلها كمشروع تجارى هادف للربح، إذ يخطئ من يظن أن الحرية الكبيرة نسبياً للصحافة فى مثل تلك المجتمعات قد تحميها وتدعم بقاءها فى ظل منافسة شرسة من الإعلام الإلكترونى الذى يحلو للبعض بتسميته تلك التسمية التى لا أحبها وأقصد بها عبارة الإعلام الرقمى، فمشكلة الحرية قد تكون سبباً فى مناطق أخرى، إضافة لأسباب اخرى بالطبع على رأسها إحجام عدد كبير من الشباب عن شراء الصحف الورقية.

عدد كبير من كبريات الصحف الأمريكية ألغت النسخة الورقية مكتفية بالإصدار الإلكترونى فى محاولة لمواجهة الخسائر، اختفى تماماً أو يكاد ذلك المشهد الجميل فى قطارات المترو حيث كان من النادر أن ترى راكباً لا يمسك فى يده جريدة منهمكاً فى قراءتها ثم يتركها مكانه عند نزوله فى محطته. أتذكر منذ سنوات وقبل أن أعرف أن تلك عادة الأمريكان، أسرعت خلف أحد الركاب قبل ان ينزل من المترو منبها إياه أنه قد نسى جريدته على الكرسى فابتسم شاكراً لى تصرفى قبل أن يضيف أنه قد انتهى من قراءتها وتركها لعل غيره يجلس على كرسيه من بعده ويستفيد من قراءتها. الآن كل مشغول بالمحمول سواء متصفحاً للمواقع الإخبارية أو منهمكا فى محادثة عبر الشات تستطيع ان تفهم فحواها وتتابع سيرها من الانفعالات التى تظهر على وجهه.

تراجع الصحف الورقية ليس معناه انصراف الشعب الأمريكى عن شغفه بمتابعة كل ما يدور فى بلاده من سياسات وقرارات خاصة تلك المتعلقة بالضرائب والتوظيف وفرص العمل والتى يكون لها دور كبير فى ترشيح كفة رئيس عن آخر، بينما لا يهتم الأمريكى بالشأن الدولى كثيراً ولا يعرف كثيراً مما يدور فى العالم كله حتى لو كان ما يحدث جاء نتيجة لسياسات أمريكية جائرة لا تعترف ولا تأخذ فى اعتبارها سوى مصلحتها هى دون غيرها من الدول.

أعود لذلك الحوار المعبر عن مستقبل من يعمل بالصحافة خاصة والإعلام عموما فى ظل ذلك التراجع المخيف للناس فى كل العالم عن تعاطى هذا الإعلام بعد أن أصبح لكل إنسان إعلامه الخاص على السوشيال ميديا بأنواعها المتعددة، فالحقيقة الكاشفة الآن أن من لا يزال يحلم بصحافة مقروءة غير مهجورة وإعلام مرئى يقبل عليه الناس فعليه أن يمتلك وجهى العملة ولا عزاء للإعلامى الفقير مهما كان يمتلك من أدوات، أو كما عبر عنه الراحل أمل دنقل فى الورقة الثالثة من أوراق أبونواس والتى يقول فيها: من يملك العملة.. يمسك بالوجهين، والفقراء.. بين بين! 

‏[email protected]