طلة
ثقافة الصبر!
لا تبهرنى شوارع أمريكا ولا بيوتها ولا اللون الأخضر الذى يكسو كل الطرقات، لا يبهرنى مستوى المعيشة المرتفع عند أغلب الناس ولا المستوى التعليمى الذى يفتخر به الأمريكيون بين العالم المتقدم كله، وبالطبع لا تبهرنى سياستها تجاه العالم الخارجى ولا حتى تجاه المهاجرين المقيمين فيها، إنما ما يبهرنى حقا أن الناس فى أمريكا تلقى على الناس السلام فى الشارع حتى دون أن يعرف بعضهم البعض وتتبادل التحية والابتسامة تعلو الوجه، أما الذى هو أكثر إبهارا بالنسبة لى فهو ثقافة الصبر التى تسود هذا المجتمع!
نعم يأسرنى جدا صبر الناس على الناس دون تذمر أو تململ، تقف مثلا فى طابور طويل أمام الكاشير فى محل ملابس، الكاشير يستقبل زبونا تلو الآخر، يتبادل الاثنان التحية، الكاشير والزبون ويسأل كل منهما عن أحوال الثانى، وربما يتبادلان القفشات التى يشتهر بها الأمريكيون، قفشات عن أى شئ وأى شخص بدءًا من رئيس الجمهورية وعائلته مرورا بحالة الطقس وأخبار فريق الفوتبول، أثناء ذلك يستلم الكاشير قطعة قطعة من الملابس التى اشتراها الزبون ليعرف سعرها ويجمع الأسعار ويعيد ترتيب الملابس ويضعها فى كيس بعد أن يسحب الفلوس من الفيزا الخاصة بالزبون ويعيدها له وهو يتمنى له يوما لطيفا، كل ذلك والناس فى الطابور تنتظر دورها، لا أحد يشكو ولا حتى يهمهم بالشكوى أو بالاعتراض ولا صوت يعلو قائلا: «ماتخلصًونا يا جماعة ورانا مصالح» ولا أى شىء من هذا القبيل.
تدخل جراجا عموميا بسيارتك فلا تجد مكانا، تقف بهدوء منتظرا خروج أحد بسيارته لتأخذ مكانه، ويقف خلفك طابور المنتظرين، يلوح الفرج عندما يخرج أحد أصحاب السيارات، الكل ينتظر حتى ينتهى الرجل من وضع حاجاته داخل السيارة ثم يركب، ربما يتحدث فى التليفون، لا بأس الكل ينتظر فى أدب دون أن تسمع صوت كلاكس واحد يستعجله حتى يتحرك، يغادر الرجل الجراج بسيارته بهدوء ليحل محله أول المنتظرين، لا أحد يستنصح ليأتى من آخر الطابور ليحتل المكان، ممنوع الفهلوة، الكل يصبر وينتظر دوره دون كلل أو ملل. السيارات فى الشارع تجرى وفقا للإشارات المرورية وكذلك البشر، فإذا طقت فى دماغ واحد مثلى فى أن يعبر الشارع فى غير المكان المخصص لعبور المشاة وأثناء مروق السيارات، تجد كل هذه السيارات وبمجرد أن يلمحوك وقد هممت بالعبور تقف انتظارًا لك حتى تعبر الشارع، لا يفتح أحدهم شباك سيارته ليسبك رغم أنك غلطان ولا يصيح فيك حتى بكلاكس من نوعية الكلاكس المصرى الذى يقول لك: إيه اللى أنت عملته ده يا حمار!
استأجرت ومجموعة من الزملاء أوتوبيس مدارس لينقلنا من نيويورك لواشنطن. وعلى الطريق السريع وفى منتصف الطريق شعر أحدنا بإعياء شديد، فأخبرنا السائق الذى أعطى إشارة الانتظار وركن على جنب، فوجئنا بالسيارات على الجانبين تقف، تحسنت صحة الزميل بعد خمس دقائق وعاودنا السير فانطلقت السيارات مرة أخرى على الجانبين ونحن غير مستوعبين ما يحدث، ضحك السائق وشرح لنا أن أى أتوبيس مدارس يقف فعلى كل السيارات من الاتجاهين أن تقف فربما هناك تلميذ سوف ينزل من الباص ويعبر الشارع!!ولكننا هنا على «الهاى واى» وفى غير توقيت الدراسة؟ لا يهم النظام نظام والثقافة هنا هى الانتظار والصبر دون كلل أو ملل.
ثقافة الصبر كنا نحن أولى بها، فما أكثر آيات الصبر فى القرآن والحديث ولكن لا حياة لمن تنادى، فيارب الكون ارزقنا النظام وثقافة صبر الناس على الناس لعلنا ننال يوما ما أجرك الذى وعدت به الصابرين.