لن أتركك
بالأمس توقفت كثيراً عند معنى السعادة فى قصة بسيطة قرأتها، تبدأ القصة عندما يحكى رجل غنى عن حياته فيقول: وجدت السعادة ثلاث مرات فى حياتى، فى تفوقى الدراسى وتكوين ثروتى الكبيرة وحياتى الأسرية بزوجتى وأبنائى، أصبحت أملك كل شيء، الثروة والأسرة والوضع الاجتماعى المرموق، كنت أشعر بأننى أسعد إنسان، حتى تقابلت مع صديق قديم، حدثنى عن دار للأيتام بها مجموعة من المقعدين يحتاجون لبعض الكراسى المتحركة، وعرضت عليه المساعدة، ففرح فرحاً شديداً، مع العلم بأن المبلغ الذى طلبه كان ضئيلاً جداً، وأعطيته المال.
ومر أسبوع، وتلقيت اتصالا منه يبلغنى بأنه قد اشترى الكراسى وعرض على أن أكون متواجدا معه يوم تسليم الكراسى، وبعد إلحاح منه ورغم انشغالى بالكثير من المواعيد إلا أننى وافقت أن أذهب، ولكن لن استطيع أن أتغيب عن شركتى ومواعيدى أكثر من ساعة واحدة وبالفعل ذهبنا، وجاء العاملون بالدار وأخذوا الكراسى وأدخلوها ولم تمر 10 دقائق، وبدأ النزلاء المقعدون فى الخروج من الباب إلى الحديقة بكراسيهم، فى البداية وجدت من يخرج يبتسم فرحاً ويرفع يديه نحو السماء ببهجة وينادى على إخوته بالدار أن يسرعوا بكراسيهم ليروا الحديقة ويستمتعوا بأشعة الشمس الدافئة، لحظات ووجدت الحديقة وقد امتلأت ضحكاً وفرحاً وأصواتا تتشابك مع بعضها فلا تستطيع أن تفهم جملة ولكن تسمع ضحكاتهم تملأ المكان.
ومن بعيد رأيت مديرة الدار تقف لتخلع نظارتها وتحرك يدها لتمسح قطرات دموعها المتساقطة من عينيها التى تملؤها الفرحة، برؤية أبناء الدار وهم سعداء منطلقين وكأنهم كانوا فى سجن وخرجوا بعد انقضاء عقوبتهم الإجبارية بالجلوس بين أربعة حوائط أسمنتية.
مرت الساعة، وعندما هممت بالانصراف وجدت أحد النزلاء يمسك ببنطالى فنظرت إليه مبتسماً، فوجدته ينظر لى بدهشة غريبة ويتطلع إلى وجهى متفحصاً إياى، فحاولت أن انسحب، فوجدته يمسك ببنطالى بشدة، فحاولت أن أنزع يده بهدوء ولكن زاد من تمسكه كل هذا ونحن صامتان لا نتكلم بل فقط الأعين تتلاقى، وأخيراً قلت له اعتذر لك يجب أن انصرف، فلم يرد على بل زاد تمسكه بى، فظننت انه يطلب شيئاً أو يريد أن يحدثنى عن أمر ما، فقلت له هل تريد شيئاً؟! فصمت برهة ثم فتح فاه وقال: نعم، أريدك أن تنتظر معى لحظات، فتساءلت: لماذا؟ فقال: أريد أن أحفظ ملامح وجهك جيداً، فاستغربت كثيراً واستفهمت منه لماذا؟ فكان جوابه: حتى أتذكرك عندما تنتهى حياتنا ونتقابل أمام الله فأتذكرك وأشكرك أمامه وأقول له «هذا من أسعدنا».
وقتها عرفت جيداً المعنى الحقيقى للسعادة، ليس فقط فى دراستك ولا ثروتك ولا أسرتك، بل فى كل دمعة فرح تسقط من عين بريئة، تعرف فطرة الحب الإلهى للبشرية.