الإخوان المتأسلمون وفقه التلون!! (٣-٥)
أثرت جماعة الإخوان المتأسلمين منذ تأسيسها فى عام ١٩٢٨، بعمق على الحياة السياسية فى الشرق الأوسط. فى حين أن الأفكار المتطرفة للإخوان قد شكلت معتقدات أجيال من الإسلاميين، ومع مرور الوقت أصبحت أوروبا حاضنة للتطور السياسى لفكر تلك التنظيمات الإسلامية المتطرفة، فمنذ أوائل الستينيات انتقل أعضاء جماعة الإخوان والمتعاطفون معها إلى أوروبا وأسسوا ببطء ولكن بثبات شبكة واسعة ومنظمة جيدًا من المساجد والجمعيات الخيرية والمنظمات الإسلامية. على عكس المجتمع الإسلامى الأكبر، قد لا يكون الهدف النهائى للإخوان المتأسلمين مجرد مساعدة المسلمين ليكونوا أفضل مواطنين يمكن أن يكونوا، بل بالأحرى توسيع انتشار أفكارهم فى جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. أربعة عقود من التدريس والتعليم آتت أكلها. الطلاب اللاجئون الذين هاجروا من الشرق الأوسط قبل أربعين عامًا وأحفادهم يقودون الآن المنظمات التى تمثل المجتمعات الإسلامية المحلية فى تعاملهم مع النخبة السياسية فى أوروبا ويتم ذلك بتمويل من مساهمين كرماء من الخليج العربى، يديرون شبكة مركزية تغطى كل دولة أوروبية تقريبا.
تحتل أوروبا مركزًا مهما فى استراتيجية جماعة الإخوان المتأسلمين للتغلغل والانتشار، لاسيما مع انتهاج الجماعة سياسة تتسم ظاهريًا بالاعتدال وممارسة نهج «التقية»، وهو ما حوّل أوروبا لما يشبه مركز قيادة متقدم لتنظيم الإخوان من خلال شبكة معقدة من المنظمات والمكاتب الإسلامية والمراكز البحثية، توجهت الجماعة لأوروبا عبر جيلين، الجيل الأول كان إبان فترة التحرر العربى من قبضة الاستعمار فى ستينيات القرن الماضى، حيث توجهت قطاعات كبيرة من الإخوان للعواصم الأوروبية حينما اصطدمت مع المشاريع القومية والوطنية الصاعدة، وشهد عقد الستينات تأسيس أول اتحاد طلابى للإخوان المسلمين فى أوروبا، واتسمت هذه الحقبة بالسعى الأول لتأسيس بنية تحتية تنظيمية للجماعة قائمة على الطلاب المهاجرين واللاجئين. أما الجيل الثانى، فانطلق نحو أوروبا مطلع تسعينات القرن الماضى، وحصد ثمار ما حققه الجيل الأول، من خلال التوسع الأفقى فى أوروبا.
نشطت الشبكة العالمية لجماعة الإخوان المتأسلمين فى أوروبا منذ ستة عقودٍ كاملة، ورغم أن وجودها ليس سرًا فإن القليل جدا هو ما يعرف عن علاقاتها غير العلنية مع المنطقة، ونخبتها السياسية. ذلك أن الجماعة تدير بعناية تلك العلاقات من خلال جمعيات خيرية راسخة قانونيا، تنتشر فى جميع أنحاء المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، وبعيدًا عن كونها معزولة داخل مجتمعاتها الأوروبية، ترتبط كل من هذه المنظمات ارتباطا مباشرا بدائرة محددة فى الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تتصل قواعد الجماعة فى ألمانيا بالإخوان المتأسلمين الأتراك والسوريين، فى حين تعمل القواعد فى لندن مع العراق وغزة. ويرتبط الإسلاميون الفرنسيون مباشرة بالأحزاب السياسية الرئيسة فى الجزائر وتونس. ونادرًا ما تتعدى هذه الجماعات التى تتخذ من أوروبا مقرًا لها على مناطق نفوذ بعضها البعض. وتعمل من خلال تسلسل هرمى واضح، وهدفها الرئيس هو توزيع الأموال على المنظمات المحلية التابعة لها، واتخذت المنظمات الإخوانية الشق غير النمطى فى إطار مواكبة ثورة الاتصالات ومنظومة العولمة، وشمل هذا الشق نشاطات عدة منها قناة الحوار، ومؤسسة قرطبة للحوار العربى الأوروبى، ومركز الإمارات لحقوق الإنسان، ومؤسسة ميدل ايست آى الإعلامية، والتلفزيون العربى.
يستند الغرب فى دعوات حظر جماعة الإخوان المتأسلمين إلى حجج أربع، الأولى أن جماعة الإخوان هى المصدر الرئيسى للأيديولوجية المتطرفة المستخدمة من قبل الجماعات الإرهابية، والثانية أن كثيرين من كبار قادة تنظيم القاعدة هم من الأعضاء السابقين فى جماعة الإخوان، وثالثا أن تاريخ الجماعة يتضمن أعمال العنف والإرهاب، بما فى ذلك حوادث الاغتيالات السياسية، ورابعا هو هدف تنظيم الإخوان إلى خلق كيان اجتماعى مواز داخل المجتمع الأوروبى، وهى المحاولات والمساعى التى باتت تشكل تحديا طويل الأمد بالنسبة لمسألة التماسك الاجتماعى فى أوروبا.
جماعة الإخوان المتأسلمين تبنى مجتمعًا موازيًا فى أوروبا وفق قيمها وأفكارها الخاصة، أعضاء الإخوان يقولون حاول أن يكون لديك مجتمع صغير داخل مجتمع كبير، وإلا ستذوب فيه مثل الملح فى الماء بحجة أن ما حافظ على الهوية اليهودية فى القرون الأخيرة هو مجتمعاتهم الصغيرة، التى كانت فريدة من نوعها فى أفكارها وطقوسها وسميت بالجيتوات اليهودية. حاول أن يكون لديك جيتو إسلامى خاص بك، فهناك فرق بين الإسلام كدين وتيار الإسلام السياسى كتهديد، وأنه يجب ألا يتم استدراجهم لمعركة مع الدين تحظى بالتعاطف، فهم يؤكدون أن الإسلام السياسى فى أوروبا كمفهوم يقسم مجتمعاتهم ويؤدى إلى التطرف. ويقوم الإخوان المسلمون والإسلاميون الآخرون بدور المحرك لها. بسبب الطبيعة المغلقة للمجتمعات المسلمة، والتى تنمو بسرعة فائقة بسبب تدفق اللاجئين، ويخدع الإخوان المتأسلمون معظم السياسيين، وفى الوقت نفسه يستخدمونهم للتقدم فى أجندتهم الخاصة، الإسلاميون لا يعلنون أهدافهم الحقيقية للجمهور الأوروبى، المفارقة النهائية هى أن حسن البنا مؤسس الجماعة كان يحلم بنشر الإسلاموية فى جميع أنحاء مصر والعالم الإسلامى لم يكن ليحلم أبدًا أن تصبح رؤيته حقيقة فى أوروبا.
يحاول الإخوان استخدام قوانين الشريعة بين المسلمين الأوروبيين، لا يلاحظ معظم سكان العالم القديم كيف يدخل الإسلام السياسى ببطء ولكن بثبات، حتى من خلال الطعام على سبيل المثال، أصبح الطعام الحلال المطبوخ وفقًا لقواعد الشريعة مألوفًا فى الغرب. فى عام ٢٠١٥، بلغ الإنفاق على الطعام الحلال حوالى ١.١ تريليون دولار، وحقق إيرادات تقارب ٤١٤ مليار دولار فى أوروبا، بسبب طقوس ذبح الحيوانات، يتم بيعها بحرية وتدر دخلًا. فإن ٦٠٪ من الطعام الحلال يخضع لسيطرة جماعة الإخوان المسلمين، حيث تصادق المنظمات الإسلامية على المنتجات، ودون ذلك لا يمكن اعتبارها حلالا. كما يواجه الأوروبيون الجانب القبيح من الأسلمة الإخوانية. ومع ذلك، هذا لا يحدث فى كثير من الأحيان، حتى الآن. عادة ما يكون ذلك فقط عندما يؤثر على مصالحهم الشخصية، أو يتم الكشف عن تفاصيل فاضحة للحياة الداخلية للتنظيمات الإسلامية.
ما يحدث الآن فى الغرب وملاحقة التنظيم من أغلب بلدان أوروبا، دليل على صحة مواقف الشرق الأوسط وخاصة البلدان العربية الكبرى التى قررت إنهاء مسيرة التنظيم وسط معارضة غربية لملاحقة الجماعة وأنصارها قبل أن ينالها من التنظيم ما نال الشرق من إرهاب وعنف، جرى حظر التنظيم بشكل أو بآخر فى مصر والسعودية والإمارات والبحرين والأردن وتسعى تونس الآن بشكل محموم لإعلان الإخوان تنظيما إرهابيا، مما يساهم فى قطع دابر الإسلام السياسى من البلاد، كانت هيئة كبار العلماء السعودية تبعت إفتاء مصر، وأعلنت الإخوان جماعة إرهابية، وأكدت أنها لا تمثل منهج الإسلام وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف، وسار على نفس الدرب مجلس الإمارات للإفتاء الشرعى الذى أيد اعتبار الجماعة تنظيمًا إرهابيًّا، مبررا قراره بما عرف عن هذه الجماعة من شق عصا الطاعة على السلطة، ونشر الفتن بين الناس، وما خرج من عباءتها من جماعات التطرف والعنف.