طلة
مصر التى فى الإعلانات!
كنت أتمنى ان اكتب لحضراتكم فى هذا المقال عن مصر التى فى خاطرى لكنى وجدت نفسى اكتب لكم عن مصر التى فى الإعلانات، هذه نتيجة طبيعية بعد هذه الهجمة الإعلانية الشرسة التى نتعرض لها نحن المصريين يوميا منذ انطلاق مدفع الإفطار وحتى أذان فجر صبيحة اليوم التالى، هجمة لا تعرف الشفقة ولا الرحمة وتجعل مصر التى فى خاطر كل مصرى تتوارى خجلا من مصر الجديدة الغريبة على معظمنا.
نعم مصر التى فى الإعلانات غريبة على قلبى وعقلى وروحى. تختلف كلية عن مصر التى فى خاطرى، مصر التى ولدنا فيها وكبرنا فيها وتوشك أيامنا فيها أن تنقضى، لكنها تأبى فى الأمتار الأخيرة من الرحلة إلا أن ترينا وجها آخر لم نعرفه لها من قبل ولم نألفه. وجه قاس بل شديد القسوة يجعل السواد الأعظم من الغلابة من أبناء هذا الشعب يشعر بأنه عاش حياته غلط فى غلط لأنه لو عاش بطريقة صحيحة من وجهة نظر الآلة الإعلانية الجبارة أو بطريقة مختلفة عما عاش عليه لربما كان الآن واحدا من هؤلاء الموعودين بالفيلات والقصور الفاخرة واليخوت والسيارات الفارهة التى غزت البلاد مؤخرا بعد أن عاش هو جل عمره يبحث له ولأسرته عن سكن تتوافر فيه أدنى درجات الآدمية والتى من اجل الوصول اليها ربما اضطر للسفر والغربة عن بيته وأولاده احلى سنوات حياته لتحقيق هذا الحلم.
مصر التى فى خاطرى لا مكان فيها لهذه الطبقية البغيضة والتى جعلت نصف إعلانات التليفزيون عن تلك الكومباوندات التى انتشرت فى طول البلاد وعرضها كالنار فى الهشيم، بينما النصف الآخر من الإعلانات يدعونا نحن ايضا للتبرع لمستشفيات الأطفال والكبار الغلابة الذين ينتظرون يدا حانية تطبطب عليهم وتداوى أوجاعهم. موازين مختلة تلك التى تطالب ذلك المواطن الغلبان الذى يشاهد إعلانات القصور واليخوت وهو يمصمص شفتيه حسرة على شبابه بأن يمصمصها مرة أخرى على هؤلاء الغلابة الذين يحتاجون للتبرع. يحدث ذلك فى الوقت الذى لا حديث فيه فى جميع المنتديات الرمضانية وعلى موائد الإفطار إلا على الأرقام الفلكية التى تصل إلى ملايين الملايين التى يتقاضاها نجوم الفن مقابل ظهورهم فى اعمال فنية او إعلانية.
تخيل شعورك وأنت الموظف المجاهد والمجتهد بعد ان تكون قضيت عمرك حسن السير والسلوك فى وظيفتك ثم تجد فى نهاية خدمتك (هذا إن وجدت أصلا ) مبلغا ضئيلا لا يكفى حتى أن يشترى لك ولو قالب طوب فى تلك الكومباوندات التى تطاردنا فى الإعلانات ليل نهار. تعديل طفيف فى المعادلة يعنى أن أى نسبة ولو ضئيلة من تلك الملايين كفيلة بأن توفر العلاج ومن قبله الكرامة لهؤلاء الذين يتم ابتزاز مشاعرنا للتبرع لهم. كيف أقتنع بدعوة للتبرع يقوم بها من قبض فى مسلسله أربعين وخمسين وستين مليونا.
لو كل واحد من هؤلاء الممثلين تبرع ولو حتى بمليون من تلك الملايين التى قبضها مقابل تمثيله لما احتجنا لكل هذه الحملات التى تدعو للتبرع لانقاذ مريض أو توفير مكان فى عناية مركزة أو حتى مجرد سرير فى اى مستشفى. بعد أن أصبح وجود سرير خاليا فى اى مكان يحتاج إلى وساطة تصل لوزيرة الصحة نفسها وربما لرئيس الحكومة شخصيا.!
ما يحدث على شاشة التليفزيون كل ليلة فى هذا السفه الإعلانى كان يستوجب تفعيل قانون من أين لك هذا، خاصة لشركات المحمول والاتصالات التى تخصص ميزانية سنوية تصل لمليارات الجنيهات فى كل رمضان حيث تتنافس كل شركة على استضافة كبار النجوم بملايين فلكية، بينما نفس هذه الشركات تتنافس علينا كمستهلكين لبضاعتها وتتفنن فى سرقتنا عينى عينك تحت مرمى ومسمع من الأجهزة من خلال لعبة كروت الشحن التى تسحب منا باليمين ما نظن أنها تمنحه لنا بالشمال من عروض واهمة تدغدغ مشاعرنا وتستغل الاستخدام غير الرشيد الذى نستخدمه كلنا إلا من رحم ربى لهذا الاختراع المسمى بالمحمول والذى لم يكن له وجود فى مصر التى فى خاطرى بينما الآن يصول ويجول فى مصر التى فى الإعلانات.
مصر التى فى خاطرى تتسم بالوقار والحشمة بينما مصر التى فى الإعلانات لا تعرف سوى الرقص والعرى للترويج عن السلع والخدمات وحتى الآن لم أجد جوابا شافيا عن علاقة الرقص والأغانى برواج السلعة أو الخدمة. هل جرب مثلا أى معلن أن يروج لسلعته بعيدا عن الرقص ولم يجد رواجا لها؟ أم أن هناك دراسة تؤكد أن الإنسان أصله قرد راقص يتنطط عمال على بطال؟ أفيدونا أفادكم الله وليتكم تجيبونى عن سؤال أهم: هل هناك أمل فى عودة مصر التى فى خاطرى أم أن المطلوب رفع الراية البيضاء أمام مصر التى فى الإعلانات؟