بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

«أهو جه يا ولاد»

لو كنت واحداً من الشهور العربية الكريمة لشعرت بالغيرة الشديدة من شهر رمضان المعظم. نعم، تخيل نفسك، أن تكون مكان شهر ذى القعدة مثلاً أو صفر أو أى شهر عربى آخر وترى كل هذه الاحتفالات التى تصاحب مقدم شهر رمضان، بينما أنت ربما لا يشعر كثير من الناس بك ولا يهتمون متى تأتى ولا متى تذهب. شعور صعب جداً, لكنها حكمة الله سبحانه وتعالى فعلى الرغم من أن كلها أيام الله وكلها شهور من خلقه سبحانه وتعالى لكن، جلّت حكمته وعظمته فى أن يجعل لبعضها فضلاً على الآخر وأن يقذف فى قلوب الناس، كل الناس ذلك الشغف الكبير والانتظار بشوق ولهفة لهذا الشهر العظيم شهر رمضان.

شهر يأتى بصفاء نفسى عجيب يسود الناس جميعاً وتجعلهم يقبلون على الطاعة وعلى حب الخير والعطاء دون حساب. الأشياء التى نختلف حولها نجد أنفسنا وقد اتفقنا عليها فى رمضان, والخناقات التى نخوضها كل يوم تتغير نظرتنا لها فى شهر رمضان, وتتبدل وشعورنا العدائى التلقائى تجاه البعض فى الأيام العادية يتحول إلى رحمة وشفقة بالآخرين. تحل الابتسامة محل العبوس فى الوجوه ونتبادل كلمات الود والحب ونتوقف عن «حدف الطوب» الذى يخرج من أفواهنا فى غير رمضان.

بمجرد أن ينتصف شعبان تهفو القلوب فى انتظاره ونبدأ كلنا تسمع أخباره وتبادلها فيما بيننا, هل سيكون يوم كذا لو كان شعبان تسعاً وعشرين يوماً أم سيكون يوم كذا لو كان شعبان كاملًا, حتى فى انتظاره شعور رهيب بالمتعة الكبيرة, وتهل علينا عبر المذياع وقنوات التليفزيون أجمل الألحان التى ارتبطت بالشهر الكريم.

يندر أن تجد اغانى مناسبات عاشت فى الوجدان مثلما عاشت تلك الكلمات. عبدالمطلب يصدح: رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه, أهلاً رمضان شهر بطوله, غنوا وقولوا أهلاً رمضان. وفرقة ثلاثى النغم ينشدون: أهو جه ياولاد أهو جه ياولاد, هيّصوا ياولاد, فى كل عام ويانا معاد, وعمره ما بيخلفله معاد. ومرحب شهر الصوم مرحب لياليك عادت بأمان, بعد انتظارنا وشوقنا اليك,جيت يا رمضان لعبدالعزيز محمود، وأيقونة أغنيات الشهر الفضيل وحوى يا وحوى اياحا لاحمد عبدالقادر.

كلها أغنيات قديمة رحل أصحابها عن دنيانا ولكن بقيت تلك الأغنيات حية لا تموت.

بينما مع احترامى الشديد لكل المحاولات التالية لم تنجح أى اغنية حديثة عن رمضان فى الاقتراب ولو حتى من بعيد من هذه الأغنيات. رغم أن أغنيات هذه الأيام توافر لها من الإمكانيات المادية عشرات أضعاف ما كان متاحاً للأغنيات القديمة لكنها من وجهة نظرى تفتقد الإخلاص الذى تمت به أغنيات طلب واحمد عبدالقادر وثلاثى النغم وغيرهم, لذا عاشت اغنياتهم رغم رحيلهم بينما رحلت أغنيات السبوبة والتواجد لمجرد التواجد فى رمضان رغم أن أصحابها على قيد الحياة.

نعود لتلك الأيام التى ستهل علينا أولها غداً مع ميلاد هلال رمضان الليلة كما يتوقع علماء الفلك. سيبدأ الشهر الفضيل وتبدأ أيامه تجرى من بين أيدينا فى لمح البصر حتى يتمنى كل واحد منا أن لو كان يمتلك آلة الزمن. تلك الآلة الخيالية التى نظن أننا نستطيع من خلالها أن تتحكم فى سرعة الأيام حسب مذاقها, فإذا كانت مريرة كما هى أغلب أيامنا أسرعنا بالزمن حتى نتخلص من تلك المرارة فى المذاق أعاذنا الله وإياكم منها, وإذا كانت حلوة واستثنائية وقليلة كما هى أيام شهر رمضان أوقفنا الزمن أو على الأقل أبطأنا سرعة الأيام حتى نعيش فى تلك اللحظات الحلوة والمشاعر الفياضة والبركة التى تحل على كل الأشياء أطول فترة ممكنة.

ولكن لأنه ضيف عزيز يأبى أن يثقل علينا ويرفض أن يمكث بيننا أكثر من ثلاثين يوماً ربما تنقص يوماً فى بعض السنوات, ومن يدرى فلعله يدرك أنه على الرغم من احتفائنا به ربما تغيرت تلك النظرة لو طال انتظاره أكثر من ثلاثين يوماً لذا يرفض البقاء رغم كل التوسلات, لأن الذى خلقه وخلقنا يعرف جيداً قدره الكبير وإمكانياتنا المتواضعة. وتبقى دائماً الفرصة متاحة لمن يتمنى أن تكون السنة كلها رمضان فهو يستطيع أن يجعلها كذلك لو احتفظ بسلوكياته الرمضانية التى تحدثنا عنها فى البداية لما بعد شهر رمضان, وقتها فقط يستطيع كل الناس أن ينعموا بأخلاقيات أقرب إلى أخلاقيات المدينة الفاضلة ومن أراد أن يختبر كلامى فليجرب وليخبرنا بنتيجة تجربته حتى نستفيد منها جميعاً. وكل عام وكل رمضان وكل يوم وأنتم أعزائى القراء بخير وسلام,ورمضان كريم.

 [email protected]