بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

استقيلوا غير مأسوف عليكم

ترحل الحكومات والأنظمة وتسقط من تلقاء نفسها فى اوروبا والدول المتقدمة عندما يقع حادث مثل حادث تصادم القطارين البشع الذى وقع يوم الجمعة الماضية على خط الصعيد ونتج عنه اثنان وثلاثون ضحية ومئات الإصابات. نعم تستقيل الحكومة وترحل كابسط رد فعل وأقل تعزية يتم تقديمها لأسر الضحايا. سيقول قائل إن المسئولية غير مباشرة، فلا رئيس وزراء كان يقود القطار الأول ولا وزير كان يقود القطار الثانى، نعم ذلك صحيح لكن المسئولية تقع ضمنيا ضمن اختصاصات الجميع، حتى لو كان الإهمال هو المسئول الأول عن الحوادث فهؤلاء المسئولون هم السبب الرئيسى فى تفشى الأهمال ووصوله إلى هذه الدرجة المرعبة من الاستهتار بحياة الناس. مسئولون ولا يجب أبدا اعفاؤهم من المسئولية.

لا يجب أبدا أن نتعامل مع كل حادث على أنه ناتج عن إهمال بعض صغار المسئولين ونكتفى بعقابهم ثم نغلق الملف دون عقاب كبار المسئولين، لو استمر هذا التعامل فلن تنتهى أبدا هذه الحوادث وسيظل نزيف الغلابة مستمرا سواء تحت عجلات قطار أو اتوبيس أو تحت أنقاض عمارة سكنية أو حتى غرق عبارة تكاتفت كل اجهزة الدولة وقتها لتهريب صاحبها لضمان نجاته من العقاب. وهو ما يحدث يوميا فى حوادث السكة الحديد وغيرها من الكوارث عندما يتم الاكتفاء بكبش فداء صغير حماية للكبير من المسؤولية. فعلى الأقل تكون استقالة هؤلاء هى أقل رد فعل وعقاب لهم على تلك الجرائم التى يتم ارتكابها يوميا فى حق المصريين بشكل عام والصعايدة بشكل خاص. الصعايدة الذين لا يجدون من يحنو عليهم ويطبطب على آلامهم المستمرة ومعاناتهم الدائمة وشعورهم الرهيب بالمرارة مع إصرار الدولة على أن تتعامل معنا معاملة الدرجة الثانية والثالثة وربما وصلنا للعاشرة حاليا.

اقترح اضافة عبارة فى اليمين الدستورية التى يقسمها أى مسئول يتولى المسئولية فى هذا البلد تقول هذه العبارة،»وان أعتبر نفسى مستقيلا تلقائيا لو وقع حادث نتيجة الإهمال ودفع ثمنه ولو حتى مواطن واحد من المصريين». بهذا القسم يصبح رحيل هؤلاء المسئولين عملية تلقائية لا تحتاج أن يتقدم اى منهم باستقالته ولا يحتاج لأن يصدر لهم قرار اقالة من سلطة أعلى منهم. وقتها فقط يصبح الجزاء الفورى حتى وإن كان هذا الجزاء هو الحد الأدنى.لكن ما يحدث حاليا تهريج واستهتار بأرواح الناس تحت حجج ومبررات واهية أخطرها ما قاله رئيس الحكومة فى مؤتمره الصحفى بسوهاج أن هذا الحادث لن يكون الأخير طالما أن المرفق كله فى طور التطوير وإعادة الهيكلة. كلام غريب غير مفهوم. من قال أن تطوير أى مرفق لابد أن يكون له ضحايا يدفعون الثمن كل يوم من حياتهم ودمائهم؟ وهل معنى تطوير المرفق أن يتم اهمال تشغيله اثناء التطوير؟ وهل مرفق بهذه الحيوية يتم التعامل معه بهذه اللامبالاة؟ ولماذا لا يخرج علينا أى مسؤول يوضح لنا متى ستنتهى عمليات التطوير تلك، هل لها مدة زمنية مستهدفة أم أنها مستمرة إلى ما لانهاية؟ وهل حادث بمثل هذه الفداحة كان يتطلب وجود توجيه رئاسى حتى تتحرك الحكومة بأكملها إلى مكان الحادث ومواجهة تداعياته؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات تشفى صدور الناس وتحترم عقولهم لا أن تعزيهم بمجرد كلمات تفقد معناها من كثرة ما سمعناها ونسمعها يوميا.

الأخطر من ذلك كيف سيكون حالنا مع القطارات المكهربة السريعة التى يتم اضافتها حاليا لمنظومة النقل وتتكلف مليارات الدولارت؟ هل يمكن ان نتخيل حجم الكارثة التى قد تحدث لو لا قدر الله تعاملنا مع القطار المكهرب بنفس الطريقة التى نتعامل بها مع قطار الصعيد المسكين الحزين؟ هل يدرك احد تأثير مثل تلك الحوادث على سمعتنا العالمية خاصة فى مجال السياحة والتى تتركز غالبيتها فى مدن الصعيد والتى من المفروض أن نوفر لها خطوط مواصلات ومنها السكك الحديدية على أعلى مستوى من الكفاءة والجودة؟

أشعر بالخجل عندما اضطر لكتابة تعبيرات مستهلكة طالما رددناها كلما وقعت حادثة كبرى مثل أن هذا الحادث يجب أن يدق ناقوس الخطر وينبه المسؤولون إلى خطورة الموقف، فعلى ما يبدو أنها مجرد عبارات جوفاء لا يلقى أحد لها بالا طالما كان الغلابة هم من يدفعون الثمن، أما المسئولون فلا ضير عليهم حيث يستمرون فى مواقعهم حتى تقع كارثة جديدة دون اى اعتبار لآدمية الناس واستحقاقهم للحد الأدنى من توفير وسيلة مواصلات آمنة بدلا من تلك القطارات التى أصبحت من اتجاه واحد إلى الموت دون عودة تاركين للاهل والأحباب الحسرة والألم وهم ينتظرون عائلا لن يعود لهم أبدا.

نداء اخير لكل المسئولين فى هذا البلد: أيقظوا ضمائركم لو كانت لديكم ضمائر، وتحملوا المسئولية ولو مرة واحدة فى حياتكم أو استقيلوا غير مأسوف عليكم.

‏ [email protected]