بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ندى

سيدة العلم والتقى

 

 

لم يتزوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، فلقد تزوجها بعد أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين سودة بنت زمعة- رضى اللَّه عنهن جميعًا-؛ رغبة منه في زيادة أواصر المحبة والصداقة بينه وبين الصدِّيق- رضى اللَّه عنه- وكانت منزلتها عنده كبيرة، وفاضت روحه الكريمة في حجرها.

وُلدت السيدة عائشة أم المؤمنين- رضى اللَّه عنها- قبل الهجرة بحوالى ثمانى سنوات، في بيت عامر بالإيمان، ممتلئ بنور القرآن، فأبوها الصديق أبو بكر صاحب رسول اللَّه ، وثانى اثنين إذ هما في الغار، وأول من آمن من الرجال، وأول خليفة للمسلمين بعد رسول اللَّه، وأمها السيدة أم رومان بنت عامر، من أشرف بيوت قريش وأعرقها في المكانة، وقد شاركت منذ صباها في نصرة الإسلام، فكانت تساعد أختها الكبيرة أسماء في تجهيز الطعام للنبى وأبيها وهما في الغار عند الهجرة.

وبدأتْ مرحلة جديدة في حياة أم المؤمنين فقد تزوجها الرسول وهى بنت ست سنين، وبنى بها وهى بنت تسع سنين، ومرت الأيام بالسيدة عائشة هادئة مستقرة حتى جاءت غزوة بنى المصطلق، فأقرع النبي بين نسائه (أى أجرى القرعة بينهن لتخرج معه واحدة في السفر) وكان من عادته أن يفعل ذلك مع أزواجه إذا خرج لأمر، فخرج سهمها فخرجت معه، حتى إذا فرغ النبي من غزوته، وعاد المسلمون منتصرين، استراح المسلمون لبعض الوقت في الطريق، فغادرت السيدة عائشة هودجها، فانسلّ عِقدها من جيدها ، فأخذت تبحث عنه.. ولما عادت كانت القافلة قد رحلت دون أن يشعر الرَّكْبُ بتخلفها عنه، وظلَّت وحيدة في ذلك الطريق المقفر الخالى حتى وجدها أحد المسلمين - وهو الصحابى الجليل صفوان بن المعطل - رضى اللَّه عنه - فركبت بعيره، وسار بها، واللَّه ما كلمها ولاكلمته، حتى ألحقها برسول اللَّه ، إلا أن أعداء اللَّه تلقفوا الخبر ونسجوا حوله الخزعبلات التي تداعت إلى أُذن الرسول ، وأثرت في نفسه، ونزلت كالصاعقة عليه وعلى أبيها"أبى بكر" وأمها "أم رومان" وجميع المسلمين، لكن اللَّه أنزل براءتها من فوق سبع سماوات فنزل في أمرها إحدى عشرة آية؛ لأنه يعلم براءتها وتقواها

وعاشت السيدة عائشة مع رسول اللَّه حياة إيمانية يملأ كيانها نور التوحيد وسكينة الإيمان، وقد حازت- رضى اللَّه عنها- علمًا غزيرًا صافيًا من نبع النبوة الذي لا ينضب، جعلها من كبار المحدثين والفقهاء، فرُوى عنها من صحيح الحديث أكثر من ألفين ومائة حديث، فكانت بحرًا زاخرًا في الدين، وخزانة حكمة وتشريع، وكانت مدرسة قائمة بذاتها، حيثما سارت يسير في ركابها العلم والفضل والتقي، فقد ورد عن أبى موسى- رضى اللَّه عنه- قال: ما أُشْكِلَ علينا- أصحاب رسول اللَّه حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.

وكان لها علم بالشعر والطب، بالإضافة إلى علمها بالفقه وشرائع الدين.

وكان عروة بن الزبير- رضى الله عنه- يقول: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشِعْر من عائشة- رضى الله عنها.

واشتهرت- رضى اللَّه عنها- بحيائها وورعها، فقد قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول اللَّه وأبى- رضى اللَّه عنه- واضعة ثوبى وأقول إنما هو زوجى وهو أبي، فلما دُفِن عمر- رضى اللَّه عنه- معهما واللَّه ما دخلته إلا مشدودة على ثيابى حياءً من عمر- رضى اللَّه عنه، وكانت من فرط حيائها تحتجب من الحسن والحسين، في حين أن دخولهما على أزواج النبي حل لهما.

وكانت- رضى الله عنها- كريمة، فيُروى أن "أم درة" كانت تزورها، فقالت: بُعث إلى السيدة عائشة بمال في وعاءين كبيرين من الخيش: ثمانين أو مائة ألف، فَدَعت بطبق وهى يومئذ صائمة، فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك المال درهم، فلما أمست قالت: يا جارية هلُمى افطري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم درة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا لحمًا بدرهم فنفطر به. فقالت: لا تُعنِّفيني، لو كنتِ ذكَّرتينى لفعلت.

وفى ليلة الثلاثاء 17 من رمضان في السنة الـ57 من الهجرة توفيت أم المؤمنين السيدة عائشة وهى في سن السادسة والستين من عمرها، ودفنت في البقيع، وسارت خلفها الجموع باكية عليها في ليلة مظلمة حزينة، فرضى اللَّه عنها وأرضاها.

 

 

[email protected]