طلة
خطأ مطبعى أطاح بيوسف إدريس!
فى عام 1977، انتهت فترة عبدالمنعم الصاوى الثانية كنقيب للصحفيين المصريين، ولما كان قانون النقابة يمنع النقيب من الترشح لأكثر من دورتين متتاليتين مدة كل منهما عامين، بحث النظام عن مرشح جديد ليقدمه نقيبا للصحفيين، نوع من التدخل الذى يندر أن تجد له مثيلاً فى أى بلد فى العالم، أن تتدخل الدولة باختيار مرشح ولو بطريقة غير مباشرة طبعا تدعمه وتقف وراءه بكل ما أوتيت من قوة حتى تضمن ولاء أخطر نقابة للرأى لها، ولكبح جماح أى صوت معارض قد يسبب للدولة من وجهة نظرها كثير من المشاكل فى حالة نجاحه.
وبعد فحص وتمحيص وقع اختيار النظام فى ذلك الوقت على الدكتور يوسف السباعى ليكون مرشحاً للدولة على مقعد نقيب الصحفيين. السباعى الرجل الوسيم والصحفى والسياسى المدلل وقتها كأحد ألمع الأدباء المصريين الذين جمعوا بين الصحافة والسياسة والأدب مع عدم اغفال خلفيته العسكرية كونه أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذى قاد حركة الجيش فى 1952 ضد الملك وأطاح به. كانت فرصة نجاح يوسف السباعى فى الفوز تبدو كبيرة جداً، حتى جاءت اللحظات الأخيرة قبل إغلاق الباب عندما تقدم المشاكس العنيد الدكتور يوسف إدريس للترشح نقيباً للصحفيين. ادريس كان يشبه السباعى فى كثير من الأشياء فهو صاحب كاريزما كما انه ايضا صحفى بارز وأديب لامع لا يشق له غبار خاصة فى مجال القصة القصيرة التى أعتبره من وجهة نظرى أديبها الأول على مستوى العالم.
ظهر للجميع أن المعركة على موقع نقيب الصحفيين فى ذلك العام لن تكون عادية، إدريس ليس بالخصم الهين ولم يعد نجاح السباعى مضمونا كما كان الحديث قبيل ظهور ادريس فى الصورة، وراحت الدولة كعادتها تحشد كل الإمكانيات وراء مرشحها يوسف السباعى.فى مثل هذه الانتخابات كثير ما تكون للاصوات المحايدة الدور الأكبر فى ترجيح كفة مرشح عن آخر بعد أن يضمن كل منهما أصوات كتلته وفريقه ممن يتشاركون معه الأفكار الصحفية والمذاهب السياسية. هذا يميل لليمين فيضمن كل أصوات اليمين وذاك يسارى عتيد سوف يقف وراء كل اليساريين عن بكرة أبيهم، وتبقى الأصوات المحايدة التى لا تميل لمذهب ولا لطريقة هى الفيصل فى تحديد النقيب حيث يفوز من يقنع هؤلاء بالتصويت له فى الصندوق.
راحت الدولة تمد يوسف السباعى بكل الإمكانيات التى تؤهله للفوز فى تلك المعركة الصعبة، وكان ظهور إدريس قد قلب كل الموازين خاصة فى ظل خطورة وضع الصحافة فى ذلك التوقيت الذى كان فيه الرئيس السادات يناصب الصحافة العداء حتى إنه كان قد قرر تحويل النقابة لنادٍ اجتماعى لولا تصدى أبناء المهنة له ووقوفهم ضد رغبته فى تركيع النقابة، وكان نجاح يوسف السباعى معناه ربما أن يعيد السادات فكرته القديمة بتحويل النقابة إلى ناد فى ظل نقيب يدين له بالولاء. بينما جاء ترشح إدريس فرصة لهؤلاء الذين كانوا يريدون حماية النقابة من التدخل فى إدارتها. ومع تسارع وتيرة الندوات والمؤتمرات الانتخابية بدأت مؤشرات استطلاع الرأى تشير إلى تقدم يوسف إدريس على السباعى حتى جاءت المناظرة الأخيرة بين المرشحين وبعد أن انتهى كل منهما من كلمته واستمرار تفوق ادريس على السباعى فى كسب المؤيدين ومع بدء سماع آراء الصحفيين من الجانبين طلب الكلمة الكاتب الكبير موسى صبرى أحد رموز الصحافة المصرية بشكل عام والمقرب من الرئيس السادات بشكل خاص. أخرج موسى من جيبه وبطريقة مسرحية قصاصة من صحيفة عربية تحمل مقالاً موقعاً باسم الدكتور يوسف إدريس يحمل عنواناً غريباً يقول: أدعو العرب لاستعمار مصر! وصاح موسى صبرى بصوت جهورى موجهاً كلامه للحضور: كيف تريدون أيها الزملاء أن يكون نقيبكم ممن يدعو الأجانب لاستعمار بلده؟
كانت كلمات موسى صبرى بمثابة كرسى فى الكلوب حيث هاج الحضور وماجوا وتحولت قاعة النقابة التى تشهد المناظرة إلى ساحة لا يسمع فيها أحد أحداً، ولم يسمع إلا أصوات تهتف ضد يوسف إدريس قائلة: اخرج من هنا أيها الاحمر أخرج أيها الشيوعي! وطبعا عبثا حاول ادريس أن يستعيد هدوء الصالة حتى يشرح للناس أن هناك غلطة مطبعية فى العنوان الذى كان يقول: أدعو العرب لاستثمار مصر، ولم يكلف أحد نفسه بقراءة نص المقال واكتفى الغالبية تحت قيادة موسى صبرى بالعنوان الخطأ أو ربما الذى كان متعمداً وليس مجرد غلطة مطبعية تم استغلالها بطريقة أطاحت طبعاً بأى فرصة ليوسف إدريس الذى جلس وحيداً على المنصة أمام عدد قليل ممن بقى من الزملاء المؤمنين به، فقال لهم إنه تعرض لطعنة غادرة فى الظهر. ورغم مرور كل تلك السنوات لم تتوقف الدولة عن دعم مرشح بعينه ضد الآخرين بتقديم مغريات مادية لا تليق أبداً بقادة الرأى. ولكنه حديث ذو شجون ربما تسنح الفرصة لتناوله بالتفصيل فى مقال آخر.