خطا التماس لسياسة بايدن!
يبدو أن الرئيس الأمريكى يتأرجح بين خطى التماس لسياسته الداخلية والخارجية، فبينما يمكننا الإشادة بخطة الإنقاذ الجريئة التى وضعها الرئيس بايدن بقيمة 1.9 تريليون دولار، ما يعنى نهاية حقبة المحافظين التى أطلقها رونالد ريجان قبل 40 عامًا، ولكن عندما يتعلق الأمر بمبادرات السياسة الخارجية، فإن الحقبة الجديدة تبدو مثل القديمة بشكل مخيف. ويظهر الرئيس بايدن متجاهلاً حقيقة تغير العالم، الأزمات الجديدة، حالة الطوارئ المناخية، والوباء العالمى، والانكماش الاقتصادى الساحق، والفساد المسبب للشلل وعدم المساواة التى تتطلب الاهتمام، وخاصة أن إعادة تنشيط ديمقراطية أمريكا وإصلاح اقتصادها يجب أن يكونا على رأس أولوياته. ومع كل ما قاله بايدن من رفضه التدخلات العسكرية الأمريكية المطولة فى الخارج، وحرصه على معالجة أزمة المناخ، والانضمام إلى اتفاق باريس، لكن آراء المؤسسة القديمة تحافظ على قبضتها على سياسة بايدن الخارجية.
رغم أن الحقيقة البسيطة هى أن أمريكا لا تستطيع تحمل الغياب بعد الآن على المسرح العالمى وهو الأمر الذى يبدو فى غاية الصعوبة فى ظل انخراط الولايات المتحدة فى عمل عسكرى فى عدة دول، ومواجهة روسيا على حدودها والصين فى بحر الصين الجنوبى، والحفاظ على ما يقدر بنحو 800 قاعدة فى جميع أنحاء العالم، وهى أكبر مجموعة لدولة فى تاريخ العالم، لذلك يتطلب الأمر تغييرًا جذريًا فى الأولويات والالتزامات، وإعادة التفكير بشكل أساسى فى الأمن القومى، لإخراج الولايات المتحدة من القوة الجامدة لهذه المشاركة المؤسسية على المسرح العالمى، ولكن للأسف إن المؤشرات المبكرة منذ قدوم بايدن تشير إلى أن فريقه للسياسة الخارجية لا يبحث بالضبط عن المخارج.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة فى حالة حرب فى أفغانستان منذ 20 عامًا كلفتها آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات. ووعد باراك أوباما ودونالد ترامب بإنهاء الحرب، لكن الحرب مستمرة، رغم أن ترامب أبرم العام الماضى اتفاقا مع طالبان لإزالة جميع القوات الأمريكية بحلول 1 مايو 2021. ومع ذلك الصورة تقول إن بايدن سيبقى القوات فى أفغانستان بعد ذلك الموعد النهائى، ووضع فريق بايدن آماله فى محاولة «طلقة القمر» للتوصل إلى تسوية تفاوضية من شأنها أن تؤدى إلى حكومة مؤقتة، ودستور جديد يضمن حرية التعبير وحقوق المرأة، وانتخابات جديدة، ما يؤكد أن الولايات المتحدة تضع آمالها مرارًا وتكرارًا فى أضواء كاذبة فى نهاية النفق.
ويتناسى الرئيس الأمريكى أنه بعد عقدين من الزمان، ينبغى له ألا يحلم بتسوية سحرية، فلقد حان الوقت لتقليص الخسائر والخروج. وعلى الجانب الآخر نجد تراجع بايدن بإحياء الاتفاق النووى الإيرانى بسبب الخلاف حول الدولة التى ستتخذ الخطوة الأولى، وأيضاً لم يُظهر بايدن أى بادرة إيجابية لسحب 900 جندى أمريكى فى سوريا. وبينما وعد بايدن مرارًا وتكرارًا بأن الولايات المتحدة لن تنخرط فى تغيير النظام، فقد استمر فى فرض عقوبات مدمرة ضد فنزويلا تهدف بوضوح للإطاحة بالحكومة، وهذا ما ظهر جلياً وواضحاً فى تقرير للأمم المتحدة الشهر الماضى والذى دعا الولايات المتحدة وحلفائها إلى السماح لفنزويلا بشراء الأدوية واللقاحات والمواد الغذائية، خاصة أن حملة الإطاحة بالحكومة الفنزويلية «تنتهك مبدأ المساواة فى السيادة بين الدول».
وفى الوقت نفسه، يعمل بايدن على تصعيد المواجهة الخطيرة مع روسيا والصين. بل هناك من يؤكد أن الإدارة تخطط للرد على اختراق Solar Winds العام الماضى للبنية التحتية الإلكترونية للولايات المتحدة؛ والذى يُزعم أن روسيا مسؤولة عنه، ما يدفع بايدن لمزيد من العقوبات على روسيا والإجراءات الإلكترونية السرية ضد مؤسسات الدولة الروسية. ومن المحتمل أن يؤدى ذلك إلى تصعيد الهجمات الإلكترونية من كلا الجانبين. ومع كل ما قيل يظل خط التماس الأكثر خطورة والاختبار الحقيقى للرئيس الأمريكى سيكون فى تعامله مع العلاقات مع الصين فى أكبر اختبار جيوسياسى للقرن الحادى والعشرين، حيث تستعد الإدارة الأمريكية ليس فقط لمواجهة الصينيين اقتصاديًا وأيديولوجيًا، ولكن أيضًا عسكريًا، فى بحر الصين الجنوبى.