طلة
انسف تعليمك القديم!
كان ثلاثة من الطلبة العرب يدرسون الهندسة فى إحدى الجامعات الأمريكية, وفى الوقت نفسه يسكنون سوياً فى شقة واحدة, وحدث فى صبيحة يوم أحد الامتحانات أن راحت عليهم نومة واستيقظوا متأخرين, وعلى عجل ارتدوا ملابسهم وطاروا بسيارة أحدهم إلى مقر الامتحان, كانت النتيجة طبعاً وصولهم متأخرين عن موعد بدء الامتحان أكثر من نصف ساعة. وعندما سألهم المسئول عن تنظيم الامتحان عن سبب تأخرهم, ارتبكوا قليلًا قبل أن يفطن أحدهم إلى حيلة محاولاً بها انقاذ الجميع حيث قال إن إطار إحدى عجلات السيارة قد انفجر فاضطروا طبعا إلى تغييره ما ضيع عليهم وقت الامتحان. نظر المسئول للطالبين الآخرين اللذين أكدا كلام زميلهما. فوافق المسئول على دخولهم الامتحان ولكن بشرط واحد أن كلاً منهم سيجلس فى حجرة منفصلة, ولم تكن تلك هى المفاجأة الوحيدة بل كانت المفاجأة الحقيقية عندما فوجئوا بأن المسئول عن الامتحان لم يقدم لهم ورقة الأسئلة الخاصة بالمادة التى كان من المقرر أن يمتحنوها فى ذلك اليوم ولكن تم استبدال جميع الأسئلة بسؤال واحد لا علاقة له بالمادة الدراسية وكان السؤال هو: أذكر أى إطار بالضبط الذى انفجر فى السيارة أثناء توجهك للامتحان اليوم؟! طبعاً أسقط فى يد الطلاب الثلاثة حيث أجاب كل منهم إجابة مختلفة عن الآخر, وكانت النتيجة أن الجامعة قررت اعتبارهم راسبين ليس فقط فى تلك المادة ولكن فى جميع المواد الدراسية مع استخدام الرأفة فى السماح لهم بالامتحان ولكن فى العام القادم.
ربما لو صدق الطلاب الثلاثة وقالوا السبب الحقيقى لتأخرهم لتفهمت إدارة الجامعة موقفهم ولكنهم كذبوا فعاقبتهم الجامعة على كذبهم ودفعوا من أعمارهم عاماً كاملاً بسبب تلك الكذبة التى يتم وصفها فى تلك المجتمعات بأنها كذبة شنيعة بينما نصفها فى مجتمعاتنا بأنها كذبة بيضاء لا تضر. وما أكثر هذا النوع فى بلادنا.
المهم أننى تذكرت تلك الواقعة وأنا أتابع قضية إحالة استاذ جامعى للتحقيق بسبب سؤال غير تقليدى وضعه للطلبة. ورغم أن هناك اختلافاً كبيراً بين الواقعتين، فإن الرابط بينهما هو طريقة وضع الأسئلة بطريقة غير تقليدية. الواقعة المصرية تتعلق بالدكتور علاء وزيرى المدرس بكلية هندسة قنا والذى تم إحالته للتحقيق بسبب وضعه سؤال لطلبة الفرقة الثانية يقول: ضع سؤالاً تتمنى وجوده فى الامتحان وأجب عنه. ولا أدرى حقيقة ما هى تهمة ذلك المدرس الذى أرى أنه وضع سؤالاً غير تقليدى يفتح المدارك ويحمس الطلبة على التفكير خارج الصندوق بدلاً من صم المنهج فقط لأجل الامتحان والشهادة وهو ما جعل سوق العمل يمتلئ بخريجين غير مؤهلين لأى شىء. والأغرب هو دفاع الدكتور جمال تاج عميد هندسة قنا عن قراره بالتحقيق مع المدرس حيث قال مؤكداً: إننا لدينا معايير منضبطة لوضع الأسئلة والورقة الامتحانية لها شكل معين, وأن وضع السؤال فى الامتحان غير متطابق مع لوائح وضع الأسئلة فى الجامعة وبالتالى تم إحالته للتحقيق !!
لماذا اعتبر العميد أن وضع السؤال بهذه الصورة هو انفلات وخرق للقواعد والمعايير الجامعية؟ ومن قال إن الجامعة هى مجموعة دروس صماء جوفاء على الطلبة أن يحفظوها ليمتحنوا فيها ثم يغادروا الجامعات غير مأسوف عليهم حتى نتفرغ لاستقبال دفعات جديدة تكرر نفس المأساة.؟ ألم يكن الأولى أن تعيد الجامعات المصرية النظر فى تلك القواعد البلهاء التى جعلت حال جامعاتنا لا يسر عدواً ولا حبيباً بدلاً من أن تعتبر مثل هذا السؤال خرقاً للقواعد والمعايير؟
الأمر يحتاج فعلاً إلى إعادة النظر ليس فقط فى قرار إحالة استاذ جامعى للتحقيق بسبب سؤال غير تقليدى ولكن فى نظام التعليم الجامعى كله حتى نعرف الفارق بين الأنظمة التى تنتج لسوق العمل آلاف المبدعين المبتكرين سنوياً وبين نظام لا ينتج سوى أستاذ جامعى بدرجة موظف تقليدى يحيل للتحقيق من يحاول أن يفكر خارج الصندوق.!
نصيحة لأى مصرى لا يزال غيوراً على هذا البلد: انسف تعليمك القديم!