بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

خطوة للأمام واثنتان للخلف

قبل أكثر من عشرين عاما ، قامت الدنيا ولم تقعد، حينما عرضت الحكومة مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية  ، هو القانون 1 لسنة  2000.  وفى الحوار المجتمعى للقانون ، اختلط الحابل بالنابل ، ومن يعرف بمن لا يعرف ، والمختص بغير المختص والعليم بالجاهل  . وتكفل إعلام الصراخ و»الشرشحة «بإبقاء الحرائق مشتعلة ،ليكتشف متابعو الحوار ،أن المجتمع أكثر محافظة من حكومته ، وأن الحكومة تتقدم عنه بخطوات لافتة ، فى  موقفها من القضايا الاجتماعية . 

لم تكن  النقاط التى ثار حولها الخلاف الحاد بشأن ذلك القانون، ذى علاقة بالشريعة ، ولكن كانت  ناجمة عن فهم انتقائى لأحكامها ، يؤول النصوص لخدمة أهداف أنانية ضيقة ، تخدم إصرار بعض الرجال على فرض سيطرتهم على النساء ، وهو إصرار يتناقض مع العدل ، الذى هو أساس الشريعة وهدفها الأسمى . 

احتدمت المعركة  لأيام وأسابيع ، مع أن القانون كان إجرائيا بالأساس . فقد اختصر نحو 560مادة تنظم إجراءات التقاضى فى الأحوال الشخصية ،فى 81 مادة فقط .واستحدث محكمة الأسرة ، للنظر فى دعاوى الأحوال الشخصية المتعددة . وأقر الاستعانة بنظام الاخصائى الاجتماعى ،لإعداد تقارير المنازعة بين الزوجين .وألزم ذلك القانون الزوج بإخطار الزوجة بالطلاق ليحول بينه وبين إنكاره . فضلا عن أنه ألغى الأحكام الغيابية  فى الطلاق ، وسهل للمرأة تنفيذ حكم النفقة عبر منافذ بنك ناصر . وقيد حق الزوج فى منع زوجته من السفر، ليجعل الأصل هو حرية المرأة فى السفر .واستحدث القانون ،حق القاضى فى منع الزوج من السفر إذا أخل بواجباته العائلية ، وامتنع عن تسديد النفقة . 

أحيا ذلك القانون حقا منحته الشريعة للمرأة وهو تطليق نفسها بنظام الخلع ، وهو يتيح لها طلب الطلاق من القاضى ، فى مقابل أن تتنازل عن النفقة ومؤخر الصداق .ونظم القانون إجراءات الطلاق بالإشهار والتوثيق مثله مثل الزواج . واستحدث قبول دعوى التطليق من زواج عرفى ، للحد من ظاهرة انتشاره .  

وبعد أن قرأت قراءة أولية لمشروع قانون حكومة الدكتور مصطفى مدبولى الجديد للأحوال الشخصية ، شعرت بأن الخطوات القليلة التى خطاها  المجتمع  للأمام  فى القانون القديم ، تتراجع إلى الخلف  فى الجديد ،وأتمنى أن يكون ذلك مجرد انطباع خاطئ.، وأن الأمر  قد يحتاج إلى قراءة متمهلة تفحص نصوصه وتقارنها بغيرها . 

استوقفنى فى المشروع  الجديد ،أنه لايقيد تعدد الزوجات ،ولأن البحث عن حلول لقضايا الأحوال الشخصية خارج نطاق الشريعة ، هو أمر مستحيل،ولذلك فمن  المنطقى أن القانون التونسى الذى قيد هذا الحق ، وساوى بين المرأة والرجل  فى الإرث والطلاق ، قد استند إلى تفسيرات فقهية تستنطق روح الشريعة ومقاصدها . كما توقفت طويلا أمام المادة التى تنص على أنه لا يصح الزواج بمن لا تدين بدين سماوى ، والمادة الأخرى التى تشترط وليا ذكرا ليعقد للمرأة عقد زواجها ، ومنح الولى الذكر حق فسخ عقد زواجها لما يراه عدم التكافؤ بينهما، وحقه فى منعها من السفر ،دون منع سفر الرجل المخل بواجباته . ومعنى ذلك اسقاط حق المرأة فى اختيار زوجها ، والاقراربعدم أهليتها فى عقد قرانها . وتلك نصوص تتعارض مع نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ،الذى وقعت عليه مصر .ويقضى الإعلان بأن للرجل والمرأة ،متى أدركا سن البلوغ ، حق التزوج ، وتأسيس أسرة ، دون أى قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين .. وهما متساويان فى الحقوق لدى التزوج ، ولدى إنحلال الزواج . ويعقد الزواج برضا الطرفين ..رضاء كاملا لاإكراه فيه !  

تصويب النظرة القانونية للعلاقة الزوجية باعتبارها علاقة إنسانية راقية ، تضع الاسس المتكافئة  لاستقرارها  ،لضمان تنشئة صحية للأبناء ، تصون المجتمع من تشوهات النظرة الصراعية لتلك العلاقية  تقتضى سد الفجوة بين أحكام الشريعة ، وبين القانون الوضعى ، وعدم البحث فى النصوص ، سوى عن المصلحة .