بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

بكام يا دكتور.. «الأخيرة»

 

مارس الطب لسنوات وكان تخصصه «الأطفال» والروشتة الصادرة عن عيادته مذيلة بعدة ألقاب وتخصصات، ماجستير وأخصائى أطفال حديثى الولادة، دكتوراه كلى أطفال وجهاز هضمى، وعاش بين أهالى الوراق طبيبًا يقبل عليه الأهالى بأطفالهم بجانب عمله كطبيب بمستشفى الحسين الجامعى، وحين وقعت بينه وبين زوجته مشاجرة واعتدى عليها بالضرب، حررت ضده محضرًا، فضحت زوجته حقيقته المزيفة، وكانت المفاجأة، طبيب الأطفال لم يدخل كلية الطب أصلًا وخريج دبلوم زراعة متوسط، المضحك المبكى أنه مسجل بنقابة الأطباء بموجب شهادته المزورة، ودافعت النقابة عن نفسها بأنها ليس من اختصاصها فحص الشهادات المقدمة إليها من خريجى الطب للحصول على عضويتها، الأكثر إثارة إنه كان مسجلاً أيضًا فى نقابة التجاريين، وليس خريج تجارة، بل إنه مؤمن عليه كموظف تنفيذى بمديرية التموين والتجارة الداخلية بالجيزة.

إنها قصة طبيب الوراق النصاب المزور التى تكشفت نهاية العام الماضى، وكما سبق وأشرت، «تكشفت»، لأنه من مزورى الشهادات العلمية عديدون يسيرون بيننا ولم يتم اكتشافهم بعد، وهؤلاء للأسف يجيدون النفاق والتسلق والتملق، ويحصلون على مراكز ومناصب وتسلط عليهم الأضواء الإعلامية، أكثر من الحاصلين بحق على شهادات علمية عليا وعلى الدكتوراه، فمما يؤسف له أن تزوير الشهادات العلمية وسرقة الأبحاث، شراء البحوث أصبحت منذ سنوات شبه ظاهرة فى كل المجتمعات العربية، ولا يتم اكتشافهم إلا مصادفة أو حال وقوع أى من هؤلاء فى مشكلة تقتضى التحقيق معهم، وبالتالى التحقق من مؤهلاتهم العلمية، راغبى الحصول على الشهادات المزورة أصبح أمامهم الطريق سهلًا وممهدًا، حتى أنه هناك مؤسسة تعمل على نطاق واسع لجامعة حقيقية فى إنجلترا هى (جلينكولين) ولها فرع فى أيرلندا وتنتشر فى رومانيا ومركزها الرئيسى فى قبرص، وتأتى بشهادات عالية الدقة فى التزوير من إسرائيل رأسًا.

وأطرح هنا حلولًا عملية يتم من خلالها تلاشى تلك الكارثة العلمية والأخلاقية فى مصر، على الأقل فى الحاضر والمستقبل، وذلك من خلال عدم الاعتراف بأى شهادات دكتوراه إلا من جامعات عالمية معروفة مع التواصل مع هذا الجامعات للتأكد من صحة الشهادة، أن يحدد المجلس الأعلى للجامعات قائمة تضم الجامعات المعترف بها وغير المعترف بها، مراجعة منظومة التعليم لضبط الألقاب الوهمية «دكتور»، واعترض تمامًا على إطلاق لقب دكتور على أى شخص تم منحه شهادة دكتوراه فخرية، الدكتوراه الفخرية التى تمنح بدون رسالة أو مناقشة وتعطى للشخص تقديرًا لجهوده فى مجالات معينه، لا يجب أبدًا أن تعادل الدكتواره الحقيقية التى تعب صاحبها واجتهد وسهر الليالى وجاب المكتبات وغاص فى أمهات الكتب والأبحاث والدراسات ليعد رسالته عن علم حقيقى.

عمل آلية خاصة بمصر للتأكد من صحة الشهادات العلمية القادمة من الخارج سواء جامعية أو ماجستير أو دكتوراه، من خلال هيئة قومية ويطلق عليها مثلًا «الهيئة القومية لتدقيق الشهادات العلمية»، وأن تكون مرتبطة بالهيئة القومية لمكافحة الفساد، فليس هناك أبشع من الفساد العلمى والفكرى، وأن يكون بكل مؤسسة حكومية أو خاصة لجنة «للتدقيق» للتأكد من صحة الشهادات العلمية والجامعية المقدمة، والتواصل المباشر مع الجهات الصادر منها هذه الشهادات، وأن تتعاون الجهات الحكومية والأمنية مع هذه اللجان، إلزام المؤسسات الخاصة بعدم توظيف أى شخص من أصحاب الشهادات العليا إلا بعد التأكد الرسمى من صحة الشهادة من خلال الهيئة القومية للتدقيق بالشهادات، بالإضافة إلى تشديد العقوبات القانونية ضد صاحب الشهادة المزورة.

وأذكر هنا تجربة بريطانيا، حيث قامت بإنشاء مؤسسة تدعى «أدكسل»، عملت على وضع قواعد ونماذج معقدة لمنع تزييف الشهادات العلمية والمساعدة فى الكشف المزور منها، وتقدم هذه المؤسسة خدماتها لجامعات بريطانيا وإيرلندا، إن تحول الدرجات العلمية إلى تجارة، سواء بتزوير الشهادات أو تزوير جوهر المادة العلمية بدفع مبالغ ماليه إلى باحثين فقراء مقابل أن يعدوا لهم المادة العلمية، أو أبحاثًا لمؤتمرات علمية، يعد كارثة فى مجتمعنا بكل المعايير، واستمرار ذلك دون ضوابط كشف سيؤدى إلى انهيار مؤسسة من أخطر مؤسسات مصر وهى التعليم، وستنحدر جامعاتنا ومعاهدنا العلمية وأبحاثنا ودراساتنا وكل علومنا إلى «أتون» بشع لن تحمد عقباه.

[email protected]