بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

صكوك

٢٥ يناير

 

أنا من الجيل الذى ولد متطفلًا على ثورة يوليو.. ولدنا نلتقم التعليم المجانى والسلع والخبز المدعم.. طفولة مغموسة برائحة الكرملين.. طوابير فى كل شىء.. «المريلة» الصفراء شبيهة البدلة العسكرية.. طوابير ومزامير وطبول استعدادات الحرب، وتحية العلم العسكرية.. ممنوع تسأل عن شىء إلا فى حدود.. تشعر بأنك مراقب فى كل مكان.. كانت تداعيات عِشتها ولم أشهد حربًا أو ثورة.. كلها كانت بالنسبة لى طلاسم.

لماذا يدخل أقاربى التجنيد الإجبارى عقب انتهاء دراستهم.. لماذا أحتفل بأفلام العبور والرصاصة لا تزال فى جيبى والعرض العسكرى فى يوم عيد ميلادى الذى يتصادف السادس من أكتوبر.. حتى كبرت وعرفت أننى أعيش فى معسكر كبير يستعد لمواجهة العدو الإسرائيلى، ومرت السنوات ونحن نستعد للمواجهة.. منا من كان يدخل أقسام العبرى حتى يحقق «من تعلم لغة قوم أمن من مكرهم».. ومن كان يستعد بأبيات الشعر والأغانى الوطنية التى تحفز لهذا اللقاء، ومنا أيضًا من كان يعشق التطوع فى الجيش ودخول الكليات العسكرية لينال شرف لقاء هذا العدو.

الأحلام كانت دائمًا بلقاء العدو فى حرب تنسف العدو نسفًا وتزيل كل أثر له وتعود القدس والمسجد الأقصى لأصحابه.. رغم أننا سبق وأن التقينا به وانتصرنا فإننا لم نؤمن أنه نصر نهائى، وأن العدو الإسرائيلى لابد وأن ينتقم وعلينا الاستعداد.. كانت حياتنا فى الطفولة والشباب كلها استعدادًا لملاقاة العدو حتى اكتشفنا أن العدو لم ينتظرنا وبادر بالهجوم بحرب جديدة لم يستخدم فيها الدبابات والطائرات والمدافع، وإنما استخدمنا نحن دون أن نشعر.

نستورد منه المبيدات المسرطنة والحبوب الزراعية المهلكة.. يتحكم فى عقول شبابنا وأطفالنا عن طريق السوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية.. نستورد منه السم المغموس فى العسل.. يخترق مجتمعنا بالفن الهابط فى صور شتى، وإضعاف ديننا وإيماننا بمختلف الإغراءات والفتاوى والميديا.. واكتشفنا أن حتى النظام أصبح جزءًا من هذا العدو بفساده.. شبعنا من الجوع وأهلكنا الفساد.

ظننا أن الضوء لن يأتى وأن الهلاك والظلام كتب علينا.. فإذا بضياء ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١ تنشر الأمل وتحرك هيبة نظام مبارك الفاسد وما كان من الجيش إلا وأن تحرك لنصرة الشعب والوقوف جانبه.. سلام عليك يا أعظم ثورة حولت خريفها إلى ربيع.. سلام على شهدائها الأبرار.

أتذكر يوم ثورة يناير كنت جالسًا داخل الجريدة أمام الزميل عماد خيرة نتلقى الأخبار من تليفونات الزملاء شباب الصحفيين الذين نزلوا إلى ميدان التحرير لتغطية المظاهرات.. كانت مفاجأة لنا أن تبلغنا إحدى الزميلات بمشاركتها المتظاهرين فى الميدان وليس مجرد التغطية الصحفية.. حاولنا إقناعها بالابتعاد حتى لا تعرض حياتها للخطر وكانت حالة الغضب وصلت إلى ذروتها.

وفى يوم التاسع والعشرين من يناير نزلت إلى ميدان التحرير حتى أشاهد بعينى فلم أجد تلك الروايات الكاذبة من تحرش وأجانب وغيرها من روايات.. وإنما شاهدت رجالًا وشبابًا ونساء من كل الأعمار يهتفون لإسقاط مبارك، شاهدت من يحافظ على الميدان وينظفه وحالة من الحب بين كل الاتجاهات، شاهدت المساواة فى حب مصر.. إصرار على الاستمرار حتى سقوط النظام. شاهدت المتظاهرين يحتضون ضباط وعساكر الجيش ويحملونهم على الأعناق.. وقتها اتصلت بالزميل أسامة هيكل وزير الإعلام الحالى وكان وقتها رئيس تحرير الوفد وأبلغته بالخبر وأنها ثورة وأنها تنتصر.. سلام عليك يا ربيع الحرية والعدالة والكرامة.