بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بقعة الضوء في الشارع الثقافي


أن تُنسى لهو من الأمور المحزنة، فإذا ما كنت ممن يتمتعون بموهبة فذة أو عبقرية متفردة ورغم ذلك فإنك _ ومثلما قالها يوما محمود درويش _ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ، فإن الأمر قد تخطى مرحلة الحزن واستحال إلى مأساة مجتمع أو ربما أجيال متعاقبة.
فكم من العباقرة يحيون أو كانوا بين ظهرانَيْنا، ولم نسمع عنهم خبرا، بل قد يواروا الثرى دون أن يهتم أحد لفقدهم، وكأنهم عابرو سبيلٍ لا أثر لهم.  في مجالات شتى يبدو الغرباء؛ غرباء الرحلة المؤقتة، من أدباء وشعراء وتشكيليين وعلماء، عابرين من المجهول دون أن ينصفهم قلم أو تنقلهم كاميرا إلى محيط ضوء.
لذا فإننا إذا ما صادفنا أحد المنصفين الذين يأخذون على عاتقهم مهمة إنصاف العباقرة المهمشين والعبور بهم إلى بر الشهرة، فيكون حتما علينا شكرهم، بل والانحناء احتراما لمجهودهم ورسالتهم السامية.
ومن بين هؤلاء المنصفين، يأتي الفنان التشكيلي هشام قنديل، صاحب ومدير أتيليه ضي للفنون، وصاحب أيضا تاريخ حافل من الإنجازات في مجال الفن التشكيلي ، يشهد على مشواره الشارع الثقافي سواء بمصر أو بالدول العربية.
لم تكن المصادفة وحدها قائدي إلى التعرف على مجهود " قنديل" ومشروعه التنويري، إن جاز لي أن أسميه، فعبر اهتمامي بالنشاط الثقافي بمصر لاحظت دورا بارزا لأتيليه العرب للفنون " ضي"، بالفنانين الشباب ليس بمصر وحدها بل والدول العربية جميعا، فكان مهرجان الشباب ، ومبادرة لوحة لكل بيت، ومعرض ما بعد الكورونا. كلها أنشطة تستلفت النظر ، يتجاوز بها الأتيليه مهمته التجارية والوسيطية التي اكتفى بها آخرون إلى مهمة أكثر نبلا وثراء، فكان ما أسرني على وجه الخصوص، ما يقوم به هشام قنديل على مدار سنوات عديدة خلت، في الوصول إلى كل فنان ذي موهبة مختلفة، لم يلق الاهتمام المناسب إعلاميا وفنيا، فيقيم له معرضا خاصا بأتيليه ضي، ليعرفه إلى الشارع الثقافي والفني ، وهو ما حدث بالفعل عبر سلسلة معارض أطلق عليها " مبدعون منسيون".
وكان من أبرز هؤلاء العباقرة المنسيين والذين أنصفهم أتيليه ضي، الفنان التشكيلي المبدع الراحل محمود أبوالمجد " ١٩٣٠_ ٢٠٠٤ " ، والذي يقول عنه الفنان والناقد الكبير د.عزالدين نجيب: إنه فنان خارج الزمان والمكان بعالمه غير المألوف، لذلك فقد سقط سهوا من ذاكرة الحركة الفنية المعاصرة، رغم تقديمه ملاحم تراجيدية من أعمال التصوير والنحت تدخل في مجال الرؤى الميتافيزيقية، ما يجعلها جديرة بأن توضع بين أعمال كبار المبدعين بجيل الستينيات، لكنه لم يلق إلا التجاهل والنسيان".
وظل أبوالمجد منسيا، حتى أنه لم يقم في حياته التي امتدت لاربعة وسبعين عاما سوى معرضين فقط، ليأتي أتيليه ضي فيقرر إعادة تقديمه بعد تجميع أعماله من أسرته، ليصبح أكبر معرض يقام لفنان عاش ومات منسيا.
كما يأتي الفنان أمين ريان " ١٩٢٥_ ٢٠١٤"، ضمن المبدعين المنسيين، والذي تحولت لوحته " الشهيد" إلى ملصق عند نشاطه ضد الاستعمار عام ١٩٥٠، واستطاع تسجيل حريق القاهرة فنيا وأدبيا بالاشتراك مع الفنانين كمال الملاخ وحسن حاكم.
وتتعدد الأسماء المنسية والتي أنصفها " ضي" بمعارضه " مبدعون منسيون"، فكان منهم: إنجي أفلاطون، جميل شفيق،جمال قطب، حسن راشد، خلف طايع،فهد الحجيلان، شاكر المعداوي،شوقي زغلول، عزت إبراهيم،عبدالعزيز درويش...." وغيرهم وغيرهم كثيرون، ليستمر دور أتيليه " ضي" وتبقى رسالته، والتي إن حذا حذوها كل مسئول وقادرٍ على الوصول إلى المهمشين في شتى المجالات والأخذ بأيديهم إلى بر الوصول، لما عرف قاموسنا يوما كلمة " منسيين".