خارج السطر
دروس من غزوة واشنطن
يهطل مطر الجنون والتطرف شرقا وغربا. لا تترك حزم الإنفلات والنفعية أرضا لا تنثر رذاذها عليها. ما حدث فى واشنطن الأسبوع الماضى يؤكد أن التخلف لا جنسية له، وأن التقدم والتحضر لا يرتبط بأمم ثرية وأخرى فقيرة.
أن ترفض الخضوع للنظام، تكسر القانون، وتحاول إقرار ما ترى بالقوة وبالضغط والصوت العالى، فأنت شخص بدائى، قروسطى وإن زرت القمر واخترعت الروبوت الناطق ورفعت شعارات حقوق الإنسان والحيوان.
لقد كان دونالد ترامب نموذجا مقززا لمتطرف نفعى وانتهازى لا أخلاقى يدير العالم بمنطق الربح، ويُنحى القيم والمبادئ والأخلاق جانبا، ولا ينحاز سوى للمصلحة، وحتى هذه المصلحة لم تكن مصلحة بلاده، وإنما مصالحه الشخصية الضيقة.
والمؤسف فى الأمر أن هذا الشخص الاستثنائى الذى وصل إلى أعلى منصب فى الولايات المتحدة، اختارته الديمقراطية، بمعنى أنه نتاج اختيار الأغلبية، والتى كنا نتصور أنها لا يمكن أن تجتمع على فاسد أو متطرف. ومن قبل وصل مهووس آخر هو أدولف هتلر عبر صناديق الانتخاب إلى سدة الحكم فى ألمانيا، ثم أشعل حربًا عالمية قاسية وأباد شعوبا وأمما وترك بصمات خراب على بلاده وما حولها.
ولولا صلابة النظام الأمريكى موزع السلطات، ولولا قوة المؤسسات المحيطة برئيس الجمهورية، ولولا يقظة الصحافة وضغط الرأى العام لدمر ترامب بلاده، ولحطم القيم التى أوصلته إلى الحكم، ولكان أكثر ديكتاتورية وفاشية من القذافى، وصدام حسين، وعيدى أمين.
وفى ظنى، وأنا أعى جيدا أن فردا مهووسا أو أنصارًا متطرفين لا يُمكنهم تقويض الديمقراطية الأمريكية التى ترسخت وتعززت عبر عقود من التجارب والخبرات والاحتكاكات المختلفة، فإن تهليل وغوغائية الترامبيين ستذهب أدراج الرياح، وستبقى ذكرى انخداع الجماهير فى خطاب حنجورى مغاير، وهو درس سيبقى ملتصقا بالتاريخ الأمريكى الحديث أبد الدهر.
لكن ثمة دروسًا أخرى يُمكن للشعوب الصاعدة والساعية للحكم الرشيد النظر إليها، ربما أهمها فى تصورى هو أن الديمقراطية غاية عظيمة يستدعى إرساؤها مجتمعا صاحيا وواعيا وعلى درجة من العلم والفهم. كما تستلزم تحقيقها بناء سياسيا صلبا يرتكز على مؤسسات قوية وحقيقية وليس على أفراد يجيئون ويذهبون.
لقد كنت أنظر بريبة وتشكك لكل من يردد أن بلادنا العربية غير مهيأة للديمقراطية بنسختها الغربية، وكنت أقول مثلما يقول كثيرون أن ما يصلح مع إنسان يصلح مع غيره. وكان لى صديق جزائرى يعمل قاضيا كبيرا، وكان كثيرا ما يقول لى قبل أكثر من عشر سنوات إن الديمقراطية ليست قرآنا. ولم أكن أعى جيدا مقولته وكنت أراها نتاج تموضع بالقرب من السلطة فى بلاده، حتى شهدنا ما شهدنا فى سنوات العصف والقصف الممتدة من 2011 ورأينا ما نتج عن تطبيق الديمقراطية فى مجتمعات غير مهيأة وما أدى إلى وصول متطرفين وغوغائيين إلى السلطة ليقضوا على كافة مظاهر العدل ويزلزلون استقرار الدول ويشعلون حروبا أهلية.
لو كان لدينا دونالد ترامب، ما خرج من السلطة مرغما، لأننا لم نبنى بعد كيانات ومؤسسات الديمقراطية، ومازال لدينا أميون، ومازال لدينا متطرفون دينيون، ومازال لدينا متعلمون بلا تعليم، وفقراء لدرجة بيع أصواتهم بعبوات سكر وأرز وخلافه.
إن الدرس الأهم لشعوبنا العربية هو أن نرتقى بالعلم ونعيد رسم مجتمعاتنا بالوعى والثقافة والقيم الرشيدة، وأن نبنى مؤسسات تليق بأمم راشدة، وألا نتعجل ضوء الصباح. والله أعلم.