أوراق مسافرة
بنى آدم مش فاسوخة «3»
كلما نظرت لها وهى تكبر أمامى وتصل مبلغ الفتيات اليانعات، وجسدها يتفتق عن أنوثة فوق العادية، أشعر بالحسرة أكثر ويعتصرنى الألم وأنا أرى أقرانها من الفتيات يملأن الشوارع صخبا وحياة مليئة بالفرحة، وهذه تزف لعريسها وأخرى تخطب، وأنا ابنتى كمٌ مهملٌ فى البيت، ليس لها مستقبل ولن يتزوجها أحد، فهى لم تعد تقوى على الحركة، ولا أستطيع أن أغادر البيت سواء معها أو بدونها، حتى لا يضايقها أخواها الأصغر، فهما لا يدركان تماما ما بها من عجز، حتى صارت بدينة، وصرت مثلها أيضا بسبب عدم الخروج أو ممارسة أى نشاط، فأين أذهب بها، ووالدها مطحون فى عمل صباحى وآخر مسائى حتى يوفى مطالب الحياة.
إنه ملخص قصة حياة لنموذج متكرر من فتيات ذوى الاحتياجات الخاصة أو الصبية، وتناولت فى مقالى الماضى مدى معاناة الأسر البسيطة والفقيرة مع أطفالهم الذين ابتلاهم الله بعجز ذهنى أو جسدى، وأطالب هنا بأن تبادر وزارة التضامن الاجتماعى بتنفيذ مشروع فى كل حى من الأحياء الشعبية بالقاهرة، وفى كل المحافظات لتأهيل ذوى الاحتياجات الخاصة من أسر البسطاء، وأن يتمثل هذا فى مركز لرعاية تلك الفئات، يطلق عليه «مركز تأهيل القدرات الخاصة» أو أى اسم، يضم المركز أساتذة ومعلمين وخبراء تخاطب وعلم نفس واجتماع، وتأهيل، لتدريب هؤلاء الأطفال، تعليمهم، اكتشاف المواهب منهم، تأهيلهم للاعتماد على أنفسهم، وعلى إتقان أى حرفة مهما كانت بسيطة، إلا أنها ستكون السند لهم فى الحياة، وسبحان الله فإن معظم - إن لم يكن كل- طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة حباه الله بالتميز فى موهبة ما.
ومؤقتا وحتى تتوافر إمكانيات لإنشاء مثل هذه المراكز بكل حى، يمكن عمل مراكز صغيرة مؤقتة داخل كل مستشفى حكومى، أو داخل مراكز الثقافة أو قصور الثقافة، أو حتى داخل المدارس والجامعات، يتم اقتطاع غرفة أو غرفتين داخل كل بناية مما سبق ويتم تحويلها إلى مركز لرعاية وتأهيل أبناء الحى من ذوى الاحتياجات، وأن تبادر الجمعيات الأهلية وأهل الخير فى تقديم الدعم المطلوب لهذه المراكز.
وبهذا يتم تخفيف العبء عن كواهل الأسر البسيطة، وتحويل هذا الطفل «الفاسوخة» أو البركة - فى عرف البعض- إلى إنسان شبه طبيعى.. إلى عنصر منتج، يعتمد على نفسه وليس عالة على أسرته وعلى كل من حوله، ليتمتع بفرص الحياة فى العمل والاقتصاد والتعليم، وأن تتعاون المؤسسات الخيرية والطبية فى إقامة هذا المراكز بالأحياء الشعبية، تحت إشراف المؤسسات الاجتماعية والحقوقية، كما أطالب أيضا بحملات توعية إعلامية ودينية وتثقيفية للتغيير المجتمعى، للتعاون والتكاتف لمساعدة هذه الفئات التى لا يجب أبدا عزلها عن المجتمع، والعمل على تغيير النمط الذهنى فى التعامل معهم كعبء على المجتمع، لأنه للأسف كثير من العائلات تخجل من أبنائها وبناتها المعاقين ويخشون إظهارهم فى مجتمعاتهم العادية وكأنهم « عار ».
إن غياب الوعى المجتمعى بتلك الفئة هو الذى يبنى الجدار العازل نحو تقديم الدعم الإيجابى لبناء هؤلاء واحترام قدراتهم الخاصة، ودمجهم بصورة موضوعية بعيدا عن الشفقة والعزل.
ولعل كارثة الكوارث هى تعامل المجتمع مع ذوى الاحتياجات الخاصة بصفة عامة على أنهم
متخلفون عقليا، على الرغم من أنهم ليسوا جميعهم كذلك، حتى أنه فى المدارس الفكرية القليلة لدينا يتم للأسف دمج كل أنواع الإعاقات الذهنية مع بعضهم البعض، دون مراعاة نسب التفاوت فى الإعاقة، وعدم التصنيف الدقيق لهؤلاء الأطفال، يؤدى إلى ضياع القدرات الحقيقية والتميز والمواهب التى يتمتع بها الكثير منهم، رغم أنه لا ينقصنا أبدا فى مصر الإخصائيون النفسيون، أو أإخصائيو التخاطب والعلاج السلوكى والعلاج الطبيعى...وللحديث بقية.